كلما تحدثنا عن ضرورة الاستيقاظ، وعن ضرورة العودة إلى جوهر القضية الحسينية وعدم اختزالها في البكاء واللطم وحدهما، خرج علينا من يشكك في النوايا ويُلقي التهم جزافاً قائلاً: أنتم تحاربون المذهب وتريدون تسقيطه!
وأنا أتساءل بصدق؛ كيف نحارب المذهب ونحن نذكركم بحقيقته؟ وهل تُحارَب العقائد بالحقائق أم بالأكاذيب؟ وهل يصبح التذكير بجوهر رسالة الامام عداءً له!؟
نحن لا نقول شيئاً جديداً ولا نأتي بفكرة دخيلة، بل نكرر حقيقة يعرفها الصغير قبل الكبير، وهي أن قضية الإمام لم تكن يوماً قضية دموع مجردة، ولا طقوساً منفصلة عن الواقع، بل كانت في المقام الأول ثورة أخلاقية وإنسانية ضد الظلم والفساد والانحراف. فإذا كانت هذه الحقيقة متفقاً عليها بين الجميع، فكيف أصبح التذكير بها هجوماً على المذهب؟
كذلك فنحن لا نقلل من شأن الشعائر ، لكننا نقول إن الوسائل شيء والغايات شيء آخر. فالشعائر وسائل للتذكير بالقيم وليست بديلاً عنها. والبكاء على المظلوم لا قيمة له إذا انتهى إلى السكوت عن الظالم. واستذكار الثورة لا معنى له إذا تحول إلى عادة موسمية لا تترك أثراً في السلوك والموقف والضمير.
فما الغاية من كل ذلك إن لم تكن إقامة العدل؟ وما الغاية من الدين والمذهب والرسالات السماوية كلها إن لم تكن للدفاع عن الإنسان وكرامته وحقوقه؟ وما قيمة الحديث عن الامام إذا كنا نعجز عن قول كلمة حق في وجه فاسد يسرق قوت الناس ومستقبل أبنائهم؟
ثم إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة وهو من الذي يسيء إلى المذهب حقاً؟ أهو الذي يدعو إلى العدالة ومحاسبة الفاسدين ومقاومة الظلم؟ أم الذي ينهب المال العام باسم الدين؟ أم الذي يحرم الناس من الماء والكهرباء والخدمات والفرص والكرامة؟ أم الذي يدافع عن الفاسد لأنه ينتمي إلى طائفته أو حزبه أو جماعته؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي فكرة عظيمة هو أن تتحول إلى غطاء يحتمي خلفه الانتهازيون. وعندما يصبح مجرد الحديث عن العدالة والتذكير برسالة الحسين والنقد الصادق مؤامرة وتهمة وشبه، فهنا لا تكون المشكلة في الناقد، بل في العقلية التي اعتادت أن ترى في كل دعوة للإصلاح تهديداً لمصالحها.
إن الحسين لم يخرج ليؤسس ثقافة الصمت، بل ليكسرها. ولم يضحِّ بنفسه لكي يتعلم الناس البكاء فقط، بل لكي يتعلموا كيف يقفون في وجه الظلم مهما كان الثمن. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي للحسين لا يكون بكثرة ما نقول عنه، بل بمدى استعدادنا لتجسيد مبادئه في حياتنا ومجتمعاتنا ودولتنا.
أما الذين يظنون أن التذكير بهذه الحقائق حرب على المذهب، فهم في الحقيقة يخلطون بين حماية المذهب وحماية الأخطاء التي تُرتكب باسمه. وبين الأمرين فرق شاسع.


، للأسف
إن الجهد المبذول في ايصال الفكرة لا يوازي العائد من شرحها
في حال وصلت اصلًا
احسنت👏🏻