في الأيام الماضية، ومع اقتراب موعد إخراج قوات التحالف وسحب سلاح الفصائل، طرح بعض قادة فصائل المقاومة بعض المطالب التي تضمنت إخراج كافة القوات الأجنبية بما فيها القوات التركية، وحل تشكيلات البيشمركة. ورغم أن هذه المطالب قد تُسخر كذرائع لتعقيد الموقف، إلا أنها تظل في جوهرها مطالب وطنية مشروعة.
ورغم شرعية هذه المطالبات، ومنطقيتها لأي بلد يريد أن يحتكر الحق الشرعي في استخدام العنف وأن يستعيد سيادته المطلقة على أرضه وسمائه، الا انه قد تعالت أصوات البعض رافضةً هذه الدعوات ومتحججة بحجج أراها ضعيفة وواهية، رافضين مقارنة البيشمركة بفصائل المقاومة!
في هذا المقال، سأقدم وجهة نظري في الأمر، وأثبت لماذا يجب أن تُعامل البيشمركة بالمنطق نفسه الذي تُعامل به الفصائل. ولكن قبل أن أبدأ، أود توضيح موقفي لمن يجدون صعوبة في استيعاب الواضحات أو يتصيدون الكلمات؛ أنا عراقي فقط، أدعو لدولة عراقية واحدة موحدة بجيش واحد وعلم واحد، وأرفض أي انتماءات خارجية أو محاولات انفصالية أو فيدرالية.
والان دعونا نبدأ؛ وقبل أن نرد على أصحاب هذا الطرح، علينا أن نطرح سؤالاً جوهرياً من المنظور السياسي وهو ما الذي يجعل الدولة دولة؟ قد تختلف الإجابة بنسب تفاوت معينة، لكن ثمة قواعد جوهرية لا تكون الدولة بدونها دولة حقيقية مهما ادعت غير ذلك؛ أولها: وجود شعب دائم، وثانيها: وجود أقاليم وجغرافية محددة،
وثالثها وهو الأهم؛ وجود حكومة قادرة على ممارسة السلطة دون تدخل أو خضوع لإرادة دولة أخرى خارجية، وتتضمن شقين:
سيادة داخلية تتضمن احتكار السيطرة على الإقليم والسكان، وسيادة خارجية تتمثل بالقدرة على إقامة علاقات دبلوماسية وإبرام معاهدات مع دول أخرى (وهو ما يُترجم غالباً بالاعتراف الدولي).
ومرتكز حديثنا اليوم هو الوظيفة الداخلية؛ ويتمثل أهم عنصر فيها باحتکار الاستخدام المشروع للقوة؛ أي إن الدولة هي الكيان الوحيد داخل المجتمع الذي يمتلك الحق الحصري والأصيل في امتلاك أدوات العنف والردع (الجيش والشرطة) وتطبيق القانون.
وبناءً عليه، فإن وجود سلاح موازٍ أو تشكيلات تفرض إرادتها خارج سلطة المركز يُفرغ مفهوم الدولة من مضمونه. والآن نسأل المدافعين عن وضع الإقليم: هل تمثل البيشمركة الجيش العراقي؟ لا. هل هي سلاح موازٍ للسلطة؟ بالتأكيد. هل للحكومة المركزية سلطة حقيقية على البيشمركة؟ لا. هل البيشمركة مستعدة أن تقاتل من أجل العراق خارج مناطق الإقليم دفاعاً عن العراقيين؟ لا.هل البيشمركة مستعدة أن تحارب العراقيين من أجل مكاسب سياسية ومغانم؟ نعم، وقد فعلوها عام 2017.
إذن، فإن وجود البيشمركة بهذه الهيئة وهذه الفلسفة لا يجعلها خطراً على العراق فحسب، بل يجرد الدولة من شرعيتها، ويضرب عقل الدولة في مقتل، ويعيد إنتاج الميليشيات بصيغ أخرى مستقبلية.
والحقيقة إن بناء المقارنات في هذا الملف يكشف حجم التناقض لدى من يرفضون مساواة البيشمركة بباقي السلاح المنفصل؛ فإذا ادعى قادة الإقليم أن سلاحهم قد نشأ في ظروف تاريخية قاهرة، فإن الفصائل في الجهة المقابلة تسوق ادعاءً مماثلاً ولها في ذلك حجة ساطعة.
وإذا أرادوا ربط سلاحهم بقضية وتاريخ وثقافة، فإن الفصائل تستند كذلك إلى قضية وفكر وعقيدة. وبالمقابل، حين يُرمى سلاح الفصائل بالارتباط بمشاريع خارجية، يبرز التناقض الصارخ لدى القوى الكردية التي لا تخفي نزعاتها الانفصالية وتطالب بها جهاراً؛ مما يجعلها الطرف الأخير الذي يحق له الحديث عن الوطنية أو التلميح للارتباطات العابرة للحدود؛
فالخطر الحقيقي على سيادة الدولة لا يتجزأ، ووجود سلاح خارج سلطة المركز بالتوازي مع أجندات انفصالية صريحة يُعد التهديد الأكثر خطورة لوحدة البلاد.
وعند التوقف عند الحجة الشائعة التي تزعم أن البيشمركة تشكيل دستوري، وأن التطرق إليها يمثل مساساً بالدستور بخلاف الفصائل، يظهر جلياً حجم المغالطة التي يتجاهل أصحابها حقائق عدة مجتمعة:
فأولاً: لا يمنح النص الدستوري حصانة للخطأ؛ فإذا كانت الظروف القاهرة إبان كتابة الدستور قد فرضت إعطاء شرعية لهذا التشكيل، فقد حان الوقت لتصحيح المسار، إذ لم تُوضع النصوص لتقييد بناء الدولة، بل صيغت بمرونة تتيح مراجعة العثرات.
وإنني لأتساءل حقاً: لو كانت الفصائل منضوية تحت مظلة الدستور، هل كنتم ستتخذون الموقف ذاته الذي تدافعون به اليوم عن البيشمركة؟ أم أنكم كنتم ستطالبون بحلها أو دمجها وتعديل الدستور، معللين ذلك بأن الدستور ليس قرآناً مُنزلاً ويجب تصحيح ثغراته؟ إني لأجزمُ أنكم كنتم ستختارون الطرح الأخير دون تردد!
ثانياً: إذا كانت المشروعية القانونية هي المعيار، فإن الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي قد نُظمت هي الأخرى بالقانون رقم 40 لسنة 2016، والمسألة هنا لا تتعلق بتفضيل نص على آخر بقدر ما تتصل بدخول الجميع تحت غطاء تشريعي يُفترض أن يخضع لمعايير الدولة.
علاوة على ذلك، يغفل المدافعون عن دستورية البيشمركة بعض التفاصيل القانونية الفاصلة؛ فالمادة 121 (خامساً) أتاحت للإقليم تشكيل حرس الإقليم
لحفظ الأمن الداخلي حصراً، ولم تشر إطلاقاً إلى جيش مستقل ذي عقيدة خاصة وصل بهم الامر الى التصادم مع الجيش المركزي!
فضلاً عن أن المادة 110 حصرت رسم سياسة الدفاع والأمن الوطني بالحكومة الاتحادية، مما يجعل أي كيان مسلح يخرج عن إمرة القائد العام للقوات المسلحة محلاً للإشكال الدستوري والسيادي.
كذلك، فإن الاحتجاج بدستورية البيشمركة يسقطه اختبار الواقع التاريخي والميداني؛ ففي عام 2017، انخرطت هذه القوات في مشروع الانفصال واستولت على مناطق متنازع عليها ككركوك وآبارها النفطية، ووصل بها الأمر إلى التصادم العسكري المباشر مع الجيش العراقي والقوات الاتحادية.
وبناءً على ذلك، لا يمكن لقوة ترفع أسلحتها في وجه مؤسسات الدولة الرسمية، وتُسخر لترسيخ التقسيم، أن تُصنف كمؤسسة دستورية حامية للسيادة؛ بل هي ميليشيا تخضع لأجندة حزبية (وهو ما يخالف الدستور صراحةً ويستأصل الحجة الدستورية من جذورها) تماماً كحال أي فصيل آخر خارج سلطة الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن عدم إخضاع كافة الأسلحة لسلطة القانون دون أي استثناء، سيفتح الباب مجدداً لإعادة إنتاج الصراع ذاته وبالأدوات والمعايير نفسها.


أتفهم النقد الموجه لملف البيشمركة من الناحية القانونية لكن السؤال المهم يتعلق بالتطبيق على أرض الواقع إذا كانت مناطق داخل الإقليم مثل زاخو تتعرض باستمرار لاعتداءات وقصف خارجي فمن المسؤول الميداني عن حمايتها
إذا قيل إن البيشمركة لا يحق لها التصرف فأين التواجد الفعلي للجيش الاتحادي لحماية هذه الحدود!!!
الإقليم ليس كياناً طارئاً
الاقليم يتمتع بحكم ذاتي واقعي من 1991 وصارت إقليم اتحادي معترف بي دستورياً بعد 2005 لذلك أشوف أن أصل النقاش مو أن يكون (البيشمركة أم الجيش العراقي) بل لازم تتكامل مسؤولية الطرفين تحت مظلة الدفاع الوطني لحماية كل شبر من أرض العراقي