فِي جُمْهُورِيَّةِ الْخَلَايَا
عندما تتأمل جسم الإنسان، تكتشف أن هذا الكائن يعيش وسط عالم هائل من الكائنات الدقيقة. فالمليارات من البكتيريا والفيروسات والفطريات وغيرها تحيط به في كل مكان؛ بداية من جلده مروراً بأمعائه، وطعامه وصولاً الى الهواء الذي يستنشقه. ومع ذلك لا يموت، ولا ينهار أمام هذا الطوفان المستمر ، ويعود الفضل في ذلك إلى الجهاز المناعي.
وبعيداً عن الصورة السطحية التي تختزل هذا الجهاز المذهل في كونه مجرد أداة لمحاربة الأمراض، فإن التأمل في فسيولوجيا المناعة يكشف عن منظومة إدارية وتنظيمية مدهشة تكاد تفوق الخيال.
فمثلاً؛ يستطيع الجهاز المناعي التمييز بين الصديق والعدو في اللحظة المناسبة. فهو لا يشن حرباً على كل ما هو غريب انما هو يرعى الكائنات النافعة ويحارب الضارة. لذلك نجده يسمح بوجود تريليونات البكتيريا المفيدة داخل الأمعاء! ذلك ان هذه البكتريا تساعد في الهضم وإنتاج بعض الفيتامينات، بل وتسهم في تدريب المناعة نفسها على التمييز بين ما يجب قبوله وما يجب رفضه.
والأكثر إثارة للدهشة أن هذه المنظومة لا تحتاج إلى قائد واحد أو مركز قيادة مطلق. فهي تعمل بطريقة لامركزية معقدة، تتخذ فيها مليارات الخلايا قراراتها بشكل مستقل، لكنها تتعاون في الوقت نفسه لتحقيق الهدف الاسمى وهو حماية الجسد والحفاظ على توازنه.
كما تمتلك المناعة قدرة هائلة على التعلم. فعندما تواجه عدواً جديداً فأنها تبدأ ببناء ارشيف عنه كي تتمكن من التصدي له بسرعة وكفاءة إذا عاد مستقبلاً. وبهذا المنطق تعمل اللقاحات مثلاً؛ فهي تدرب الجهاز المناعي على معركة مستقبلية.
كذلك فإن الجهاز المناعي منظومة مرنة لا تعرف الجمود. فمع كل تهديد جديد يعيد ترتيب أولوياته ويطور آليات استجابة تتناسب مع طبيعة الخطر وحجمه. اي إنه لا يطبق القوانين ذاتها على الجميع، بل يكيف استجابته بحسب الظروف.
بل إن المناعة لا تلجأ دائماً إلى الحرب. تخيل ! ففي كثير من الأحيان تختار التعايش والتسامح المناعي بدل المواجهة. فهي تدرك أن القضاء على بعض الكائنات قد يكون أكثر ضرراً من التعايش معها ضمن حدود معينة. ولذلك تقوم العلاقة بين الجسم والميكروبيوم على التفاوض المستمر أكثر مما تقوم على الصراع الدائم.
وللمناعة أيضاً منظومة رقابة داخلية صارمة. ففي الغدة الزعترية (Thymus) تخضع الخلايا المناعية الفتية لسلسلة من الاختبارات الدقيقة فيما يعرف بالانتخاب التيموسي (Thymic Selection). والهدف من هذه العملية هو منع ظهور خلايا قد تهاجم الجسم نفسه. أما الخلايا التي تفشل في الاختبار فتُستبعد عبر عملية الموت الخلوي المبرمج (Apoptosis). وكأنها محاكم دائمة تعمل ليل نهار لمراجعة أداء الأجهزة ومنع الانحراف قبل وقوع الكارثة.
والأهم من ذلك كله أن الجهاز المناعي يعرف متى يتوقف عن القتال. فبعد انتهاء المعركة لا يستمر في التعبئة والحرب إلى ما لا نهاية، بل يفعّل آليات خاصة لإخماد الاستجابة المناعية وإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي. لأن استمرار الحرب بعد زوال الخطر قد يكون أكثر تدميراً من العدو نفسه. وفي الحقيقة، فإن كثيراً من الأمراض الخطيرة لا تنتج عن ضعف المناعة، بل عن فشلها في معرفة متى يجب أن تتوقف.
والان يا عزيزي القارئ؛ هل تأملت يوماً في هذه المنظومة المذهلة؟ أليست المناعة أشبه بدولة فيدرالية لامركزية تمتلك جيشاً ومحاكم وأجهزة استخبارات ومراكز تدريب ومؤسسات تعليمية وآليات دبلوماسية للتفاوض وقوانين للمحاسبة وذاكرة تاريخية تتعلم من الأخطاء؟
إننا نبحث عن نماذج إدارة الدول في كتب القانون والسياسة والاقتصاد، بينما يقع أحد أعظم النماذج التنظيمية المعروفة داخل أجسادنا، ومع ذلك نتجاهله ببساطة.
ان الجسد هو الوطن، والجهاز المناعي هو الدولة بكل مؤسساتها. وعندما يختل هذا الجهاز تظهر صورتان متناقضتان للخطر؛ فإما أن يضعف عن حماية الوطن فيصبح عرضة للغزاة، وإما أن يفقد حكمته فيتحول إلى قوة مفرطة تهاجم أبناء الوطن أنفسهم، كما يحدث في أمراض المناعة الذاتية.
ولعل أعظم درس يمكن أن نتعلمه من الجهاز المناعي هو أن القوة الحقيقية لا تكمن في القتال الدائم، بل في القدرة على التمييز؛ التمييز بين الصديق والعدو، وبين الخطر الحقيقي والخطر المتوهم، وبين المعركة التي يجب خوضها والمعركة التي يجب تجنبها. فالدول كالأجساد، لا تسقط دائماً بضربات الأعداء من الخارج؛ بل تنهار عندما تفقد حكمتها وتدخل في حرب تصفية ضد ذاتها، وتحت نفس الشعارات والكلاوات (حماية الوطن) ….






أبدعت
مقال رائع بكل ما للكلمة من معنى ، سلِمَت يداك