في المشهد السياسي العراقي المعاصر، غدا الاتهام بالولاء لإيران أو الارتهان للدوائر الصهيوأمريكية السلاح الأسهل والأسرع فاعلية لإسقاط أي صوت نقدي ثالث يرفض الاصطفاف الأعمى.
ذلك أن فتح نقاش موضوعي هادئ يتطلب حججاً منطقية ترهق الذهن وتستدعي التفكير العميق، بينما لا يحتاج توزيع اتهامات الخيانة والتبعية إلا لمفردة واحدة جاهزة تُلقى في وجه الخصم لإغلاق أي أفق للحوار، وإرهاب الكاتب فكرياً وإخراجه من دائرة الوطنية.
وبناءً على هذا الواقع، بات الرأي الحر في العراق يواجه نسقاً متكاملاً من الارهاب الفكري متمثلاً بالسباب الجاهز وشتائم السخرية، بالتوازي مع ممارسة قراءة انتقائية تخرج النصوص عن سياقاتها، وتصادر الخطاب السقراطي الذي يتخذ من المساءلة والتفكيك أداةً لبناء الوعي.
بيد أن هذا العنف اللفظي على قسوته يظل من منظوري القَدَرَ الأصيل للكاتب عبر التاريخ؛ فقدره المحتوم أن يُسخر من أفكاره، وأن يُهاجَم ويُهدد، وأن يُرمى بذات الاتهامات التي أُلقيت على الكُتاب قبله. فالأفكار الحرة لا تنضج في الملاذات الآمنة، والمثقفون كانوا وما زالوا شهداء الفكر، تُختبر بصائرهم ويتكامل بنيانهم المعرفي بقدر قدرتهم على الصمود في وجه هذا الطوفان من التحريض.
غير أن أبعاد هذه الأزمة تتجاوز المعاناة الذاتية للمثقف لتطال البنية العميقة للمجتمع والوطن؛ إذ ليس كل صاحب رأي مستعداً لدفع هذا الثمن الباهظ من راحته وأمنه الشخصي.
وأمام هذا الواقع المتصلد، وبعد كل ما أتعرض له شخصياً من طعن وسباب لمجرد الدعوة إلى العقلانية والمراجعة، لا يمكن بأي حال لوم المثقفين إن اختاروا الانكفاء والصمت لحماية ذواتهم، تاركين المشهد لغوغائية الاتهامات المتضادة.
ومع هذا الانكفاء الاضطراري، تتبدى الخطورة الكبرى؛ فغياب الصوت النقدي يعني إفساح المجال كاملاً للصوت الأشد صخباً والأكثر راديكالية، وتجريف المساحة الفاصلة بين الحقيقة والشائعة، ليصل المجتمع في نهاية المطاف إلى حالة من الشلل الفكري التام، فحين يُغتال العقل فأن النتيجة الحتمية صعود الغوغاء وانهيار الدولة .


المشكلة في المشهد الذي تصفه ليست في كثرة الاتهامات بقدر ما هي في تحوّل الاتهام نفسه إلى أداة لإلغاء التفكير
حين يصبح السؤال عن «مع من أنت؟» أهم من السؤال عن «ماذا تقول؟»، فنحن لا نكون أمام خلاف سياسي حقيقي، بل أمام انهيار في شروط الحوار ذاته
عاشت ايدك اخي
فعلا موضوع صعي لطالما ردت اكتب عنه بس ما عرفت شلون ابدي، وهذا هو الشي الي اني شخصيا دائما اتعرض اله لدرجة امل من اي نقاش بسرعة وصرت احس نفسي امتلك عقل مو مرحب بيه