حِينَ الْتَقَيْتُ بِالْآخَر ..
لقد كبرت وأنا أسمع عن الآخر، عن ذلك الإنسان الذي يشاركني الوطن والهواء والثقافة، لكنني لم ألتقِ به يوماً. كان اسمه يتردد في البيت والشارع والمدرسة، لكنه ظل مجرد صورة في الذهن، صنعتها الحكايات والإشاعات والخوف المتوارث جيلاً بعد جيل.
حتى جاء اليوم الذي قررت فيه العيش في بغداد والدراسة فيها، فوجدت نفسي في مدرسة يسودها أبناء البيئة التي طالما سمعت عنها دون أن أعيشها. كنت ربما الوجه الوحيد القادم من خلفية مختلفة، وسط بيئة متجانسة لم تعتد على هذا الوجه الغريب.
منذ اليوم الأول أحسست بشيء لا يُوصف، غرابة عميقة وثقيلة، رغم أن الجميع عراقيون مثلي، يتكلمون بنفس اللهجة ويأكلون نفس الطعام ويرتدون ما أرتديه. كان الاحترام حاضراً بل كان الترحيب لافتاً، غير أنني اكتشفت لاحقاً أن وراء بعض هذا الترحيب خوفاً مضمراً، خوف من الصورة التي رسمها خيالهم عني قبل أن يعرفوني. وحين اكتشفوا أنني بعيد عن تلك الصورة الموهومة، تحول التعامل إلى شيء أكثر دفئاً وإنسانية.
لكن الغرابة بقيت. لقد ظل ذلك الجدار الشفاف قائماً بيننا، جدار لا تراه العين لكنك تصطدم به في كل لحظة تحاول فيها الاقتراب. كنت أنظر إليهم وأتساءل (من هذا الآخر الذي يشبهني في كل شيء ومع ذلك يبدو بعيداً؟) وكنت أشعر في قرارة نفسي أنهم يحملون السؤال ذاته تجاهي.
هذا الجدار ليس وليد يوم أو عام، إنه حصيلة قرون من الصراع السياسي والعقائدي، تراكمت فيه الأكاذيب والإشاعات والجراح المتوارثة حتى تحول إلى شعور عاطفي راسخ يسبق كل تفكير ويعلو على كل إرادة. هو ليس كراهية بالضرورة، بل هو قلق غامض من المجهول، من الآخر الذي لم نعرفه يوماً بعيونه هو.
هذه التجربة غيرتني تماماً. اذ انها جعلتني أسعى في السنوات التالية إلى أن أقرأ الآخر من داخل إطاره لا من خارجه فقط، أن أفهم كيف يرى نفسه وكيف يرانا وما الصور التي علقت في مخياله عنا. وحين فعلت ذلك مع أبناء الطوائف والأديان والأعراق المختلفة في هذا الوطن، وجدت نفسي أهدم ذلك الجدار حجراً حجراً، وأصل إلى جوهر الإنسان بعيدا عن كل الانتماءات.
ويبدو ان هذا بالضبط ما قصده أدونيس حين قال إن الآخر ليس خارجنا وحسب، بل هو بُعد كامن فينا، وإن التعرف عليه لا يُغني معرفتنا بالعالم فحسب، بل يعمق معرفتنا بأنفسنا. وهو ما أشار إليه هيغل بدعوته إلى أن نجد بيوتنا في الغريب ونعود إلى ذواتنا هناك.
اسمعني جيداً؛ انا لا أدعوك إلى أن تحب الآخر بالقوة، ولا إلى أن توافقه على كل ما يقول. أدعوك فقط إلى أن تقرأه بعيونه هو لا بما نشأت تسمعه عنه، وأن تحكم عليه من خلال الإطار الذي ينظر به لنفسه لا من خلال إطارك أنت فقط. فهذا وحده هو الطريق الذي يحفظ وطنا من الانقسام، ويسد الطريق أمام كل من يتربص بنا ويتغذى على فرقتنا.




اكتشفت بالصدفه اني متابعتك على الانستكرام وما اعرف انت نفسك كرار رغم جنت حيل احب منشوراتك هناك وما افوت واحد ومن طلعلي حسابك هنا حبيت المقالات وقبل أيام عرفت انت نفس الشخص هنا وهناك
اني احب تاريخ مهوس بي واحب الشعر الفصيح اليوم اكتشفت هذا البرنامج بل صدفه انذهلت بي قالت يالله انا هذا بيئتي اول قناه طلعت لي هي هذا القناه تابعتها محتوها حقآ جميل