حين أقرأ تاريخ هذه الأرض، لا يتسلل إلي ذلك الشعور الفقير الذي يسميه بعضهم فخراً، فالفخر حالة استهلاكية تكتفي بالنظر إلى الماضي لتزيين الحاضر، وهذا ليس ما يستحقه العراق.
انما الذي ينتابني حقاً، هو إحساس بالغرابة، غرابة أن تحمل أرض واحدة هذا الكم الهائل من الطبقات والانكسارات والتراكمات، وأن تظل بعد كل هذا الثقل، عاجزة عن أن تترجم إرثها إلى مشروع، أو ذاكرتها إلى مسؤولية.
فمنذ سومر وأكد، حيث وُلدت الكتابة نفسها كي تحفظ الزمن من النسيان، إلى بابل وآشور حيث القانون والفلك والعمارة، إلى المرحلة الإسلامية التي حولت بغداد إلى عقل العالم، كانت هذه الأرض معملاً مستمراً لانتاج المعنى.
وحتى حين أراد هذا المكان أن يحكي، لم يحكِ للتسلية، فجاءت كلكامش بحثاً في معنى الفناء، وجاءت ألف ليلة وليلة لتُعلم العالم كيف يصوغ الخيال، وجاءت كتب الحكمة والفلسفة لتُعلّمه كيف يفكر بدل أن يكتفي بالروايات والقصص.
لكن هذا الإرث، إن أردنا أن نكون صادقين معه، يجب ان لا يكون وساماً يُعلق على الصدر، ولا مخزوناً نعوض به نقصنا الراهن، ولا حتى مادة لخطابة جوفاء تتغذى على الماضي لتُخفي عجز الحاضر.
إنه في الحقيقة أمانة!! وهنا تحضر في مخيالي فكرة المفكر المغربي طه عبد الرحمن والتي اكد من خلالها أن الإنسان ليس مالكاً لما بين يديه انما هو مؤتمن عليه ووديعة في عنقه لا حيازة في جيبه. وحين يستوعب الإنسان أنه أمين لا مالك ينضبط فعله وتستقيم خياراته الأخلاقية، لأن المؤتمن يحسب لكل قرار حساب من سيُسأل عنه.
فإذا نظر العراقي إلى تاريخه من هذا الباب،
فأن المعادلة ستتغير كلياً. ولن تجد عراقياً واحداً يتفاخر بهذا الإرث على غيره، لأنه لا يملكه بل يحمله فقط. ولن يسمح بتدميره، لأن المسؤولية عنه أثقل من أي ادعاء بملكيته. ولن يفرط به، لأن التفريط في الأمانة خيانة، لا مجرد خطأ يُصلح بالتراجع.
والأهم من كل ذلك، أن من يفهم ثقل ما اؤتمن عليه، لا يمكن أن يميل بهذا الثقل كله تجاه دولة أخرى، ولا أن يضحّي به من أجل اسم عابر أو شعار طارئ أو مصلحة ضيقة لا تساوي شيئاً أمام ما تحمله هذه الأرض من تاريخ الأنبياء والأوصياء والعارفين والملوك والفلاسفة والشعراء.
فالسؤال في النهاية، ليس سؤالاً تاريخياً يُجاب عنه بالاستعراض، بل سؤال أخلاقي صرف مفاده: كيف يقبل من اؤتمن على هذا الكم من المعنى أن ينساق خلف أسماء طارئة لا تاريخ لها؟
وكيف يرضى أن يحكمه من لا يفهم وزن المكان الذي يحكمه؟ وكيف يفضّل غيره على بلده، وهو يعلم أن البلد الذي بين يديه ليس أرضاً فقط، بل أمانة تنتظر من يكون أهلاً لها؟


قرأت هذا المقال في الساعة ال5:30 فجرا صدقا من اروع المقالات التي قرأتها اليوم أتتني قشعريرة لروعة الكلمات وجمالها وطريقة وصفك لهذا البلد العظيم بلدي العراق الذي لا يعرف شعبه قيمته للأسف الشديد استمر بنشر كلماتك ولا تتوقف ابدا
ليش متصير رئيس وزراء؟