بين سطور أحد مشاهد مسلسل“الجماعة”، وهو من المسلسلات المصرية الجيدة التي تستحق المشاهدة لما فيها من رصد دقيق لسلوك جماعة الإخوان ونشاطها في الخفاء والعلن. يطل علينا حوار بسيط في ظاهره بالغ الدلالة في مضمونه.
يُخاطب فيه أحد قادة التنظيم عضواً قائلاً: لا تخشَ الدولة ولا الإعلام، بل اخشَ فقط لحظة انفضاض الناس من حولك.
والحقيقة ان هذه الجملة ليست سوى إعادة صياغة حديثة لحقيقة سياسية قديمة قدم السلطة ذاتها، مفادها أن الشرعية لا تُصنع في أقبية الحكم انما في معابد الجماهير.
فالسياسي دون التفاف الناس حوله يشبه الإله الميثولوجي الذي تآكلت قواه حين هجرت المعابد طقوسه. فكما أن أوزوريس لم يُبعث إلا بتضرع المؤمنين، وكما أن زيوس لم يحكم إلا برهبة الشعوب، فإن الزعيم السياسي لا يصبح زعيماً إلا حين ينعكس وجهه في مرايا الجماهير.
ومن هنا يجب أن نَفهم وأن نُفهم الآخرَ، أن الناس ليسوا مجرد متلقين لخطاب السلطة، بل هم الوقود الذي تُدار به ماكينتها بالكامل. فإذا جف نبع الرضا الشعبي، لم يعد الحاكم سوى بروميثيوس مقيداً على صخرة الرفض، تنهشه النسور كل يوم دون خلاص.
ان هذه الحقيقة بالذات هي ما تفسر سلوك جماعات كالإخوان على وجه التحديد؛ فهي تعلم جيداً أن لحظة الانفضاض هي اللحظة الوحيدة القادرة على إسقاطها، ولذلك لا تترك الرضا الشعبي للصدفة أو للزمن، بل تبنيه عمداً عبر شبكات موازية من الجمعيات الخيرية والمساعدات والتعليم وحتى العلاقات الشخصية اليومية، لا لخدمة الناس بقدر ما هي لضمان ألا يحدث الانفضاض من الأساس.
فهذه الجماعات لا تحكم الناس بالقوة فحسب، بل تستثمر في حاجتهم إليها كي تبقى حاضرة في وعيهم قبل أن تحضر في سلطتهم. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست معركة مع السلطة بقدر ما هي معركة وعي بالأدوات التي تُشترى بها الجماهير وتُدار بها قلوبهم قبل عقولهم.
اذن؛ فلنصلب هذه الجماعات على صخرة الوعي، كما صُلب بروميثيوس على صخرة العقاب، ولتكن النسور هذه المرة من شعبٍ قرر ألّا يسكت بعد اليوم، ولا أن يكون وقوداً لمعبدٍ لا يعرف له رباً سوى مصلحته.

