تتراءى في عمق المشهد السياسي العراقي ظاهرة مأزومة؛ حيث لم تعد الصراعات تُدار حول الرؤى أو استراتيجيات النهوض بالمؤسسات، أو بناء فاعلية الدولة، بقدر ما أضحت تُدار عبر فرز اختزالي يتلخص في سؤال سلطوي واحد مفاده «مع مَن أنت؟»،
ونتيجة لهذا الاختزال، بدأت المواقف السياسية على الساحة العراقية بمجملها، تتحول من حوار عقلاني حول مضمون الافكار المطروحة، إلى تفتيش أيديولوجي يُنقب في عقيدة صاحبها ويحاكم موقعه.
ومن رحم هذه البيئة المشحونة انبثقت ثنائية استقطابية حادة أربكت الوعي الجمعي، وهي ثنائية (الولائي) عاشق تراب ايران، في مواجهة (الوطنجي) عاشق الوطن المزيف او المؤدلج،
والحقيقة، ان الوطنجية هم ببساطة النمط المعكوس للولائية، ورغم انهم يرتدون لبوس الوطنية ويغالون بحب الوطن محاولين تغطية تخبطاتهم، الا ان التأمل في خطاباتهم يجعلنا نلاحظ بسهولة، حقيقة اشتراكهم التام في الآليات الذهنية والسلوكية ذاتها التي يدعون محاربتها
اذ اننا في الحقيقة، امام تماثل اللغوي وبنيوي مذهل بين نمطي التفكير؛ فالولائي والوطنجي عقليتين تنبثقان من مشكاة واحدة وتستخدمان الترسانة المفهومية والمعيارية ذاتها، مع استبدال شكلي لأسماء الحلفاء والأعداء.
فنحن نجد في الهندسة اللغوية المتبادلة أنه بينما يُسقط الخطاب الولائي وصمة «ابن السفارة» (منظمات الصهيو - أمريكية) على كل من يتجرأ على نقد حليفه الإقليمي، يمارس الخطاب الوطنجي الموازاة الإقصائية ذاتها
مستبدلاً اللفظ بـ «ابن العجمية» (ماستر كارد)، لتتكشف لنا الحمولات التخوينية للغة التي تعمل كآلية مزدوجة هدفها نزع الشرعية عن المخالف وتجريده من استقلالية الفكر وحق الاجتهاد.
ويمتد هذا التماثل التكويني ليطال طريقة تفسير الأزمات عندهم؛ حيث يُرد الفشل البنيوي وتراجع كفاءة المؤسسات لدى الطرفين إلى شماعة خارجية جاهزة، فالولائي يختزل معضلات الدولة العراقية في (المؤامرة الصهيو-أمريكية) بينما يختزلها الوطنجي في «النفوذ الإيراني المطلق»،
وفي كلا الحالين يُعفى العقل المحلي عبر هذه التغطية اللغوية من التفكير النقدي الذاتي، ويزاح السؤال الأساسي المتعلق بمسؤولية الطبقة السياسية العراقية وحكوماتها المتعاقبة عن سوء الإدارة وتفشي الفساد وإضعاف القانون.
وبموازاة ذلك، يتعامل الفريقان مع ملف العلاقات الدولية بمنطق التكتلات العقائدية الثابتة والعداء الأبدي، ملغيين المنطق البراغماتي الذي تقوم عليه الدول الوطنية في إدارة مصالحها المتغيرة، لتُستبدل السياسة بتعبئة شعبوية، وتُستبدل مناقشة الحجة بالتشكيك في النوايا والأصول.
بل إن هذا التماثل السلوكي بينهما يتجاوز الخطاب السياسي المباشر ليتغلغل في كيفية توظيف المناسبات الوطنية والأعياد القومية؛ إذ يتحول التذكار التاريخي لدى الطرفين إلى منصة شحن واستقطاب طائفي وسياسي.
فمثلاً، نجد أن الخطاب «الوطنجي» يستغل ذكرى وقف الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 لإعادة إنتاج أدبيات الكراهية وإذكاء العداء القومي مع الجار الإيراني، وفي المقابل يستثمر الخطاب «الولائي» عيد النصر على تنظيم داعش لتأجيج الحقد وتغذية العدائية ضد المحيط الخليجي والولايات المتحدة، لتغدو الذكرى في الوعيين مجرد أداة أيديولوجية لتغذية الضغائن واستحضار أحقاد الماضي.
ومع تكرار هذا النمط المتبادل، يُستكمل القضاء على المساحة الوسطى؛ تلك الرقعة العقلانية الوحيدة التي تمنح الفكر شجاعة النقد المجرد وممارسة المواطنة المستقلة، بعيداً عن حتمية التخندق في سجون المحاور.
وعندما تُمَسخ الوطنية لتصبح مجرد شارة انتماء لمعسكر يُلزم المرء بالاستسلام العمياء قبل التفكير، فإن الفاجعة الحقيقية لا تتجلى في هزيمة فريق أمام آخر، بل في انتصار «العقلية الولائية» نفسها وابتلاعها للجميع، ليغدو المدعي بالمحاربة نسخة أصلية عما يدعي محاربته، وتضيع الدولة بين ارتهان يُجاهر به أصحابه، وارتهان آخر يرتدي زيف القضية.


و أتمنى بالمقال الثاني تكتب عن التعليم بالعراق وشلون صار تجاره بدل ما يكون هادف لان الأهليات دمرت حالنه وتعبنا راح ببلاش بسببها 💔
المقال واضح وهادف لكن صعب تقنع جيل كامل أو شعب كامل لحتى يتخلى عن انتمائه لأن همه حرفيا ما يعرفون شنو معنى انتماء.. وبالنهايه نحن نتمنى أن نحظى بوطن آمن مستقل خالي من التدخلات المجاوره