يطل علينا الثامن من آب/أغسطس متوشحاً بثقل التاريخ ومرارة الذكرى؛ فقد أُعلن في مثل هذا اليوم وقف إطلاق النار بين العراق وإيران عام 1988، ليضع أوزار حربٍ طاحنة استنزفت البلاد والعباد على مدار ثماني سنوات كاملة.
والحقيقة؛ إن التوقف عند هذه الذكرى اليوم لا يستقيم بطبلٍ ولا زمار، ولا برقصٍ على جراح الوطن، أو بالاجترار الأعمى لسرديات بعثية هزيلة زُيفت فيها الحقائق وصُور فيها الموت والمأساة على أنهما أمجادٌ واهية. فالوطنية الحقيقية والوعي التاريخي الرصين يقتضيان منا جميعاً الترفع عن التمجيد الزائف لسياسات المغامرة والعسكرة، والوقوف بمسؤولية أمام الاستحقاق الأهم لهذه المناسبة وهو الاعتبار بالدروس والاستفادة من العِبَر.
إن الدرس الأول والأهم الذي تقدمه لنا هذه الذكرى هو رفْض عقيدة الحرب؛ فالذين يدعون الوطنية اليوم يسعون جاهدين لتوظيف هذا التاريخ لإعادة إحياء الكراهية وشحن النفوس، وهم بهذا إنما يكررون أخطاء الماضي ذاتها.
إن قوة العراق وحفظ سيادته الحقيقية لا يكونان بالاستعداد الدائم للحروب مع الجوار أو بتغذية الصراعات الإقليمية، بل تكمن القوة في رفض جعل التاريخ خندقاً للحقد، والتوجه بدلاً من ذلك نحو بناء اقتصاد قوي، وتنمية مستدامة، ودبلوماسية متزنة تحمي البلاد وتجنبها أتون الصراعات.
أما الوفاء الحقيقي في هذا اليوم، فلا يكون برفع الشعارات ومنطق المكايدة، بل بالتوجه الصادق نحو الضحايا الحقيقيين لهذه المأساة العبثية؛ أولئك الجنود والمدنيين الذين زُفوا إلى المقابر، وتكريم جرحاهم الذين ما زالت أجسادهم تحمل أوسمة الوجع، وتقديم الدعم والتقدير المستحقين لعوائلهم التي تحملت ويلات الثكل واليتم والضياع.
إن تحويل ذكرى وقف الحرب من "عيد زائف" إلى يومٍ وطني للتفكر والوفاء هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل يتجاوز أخطاء الماضي؛ مستقبلٍ تُبنى فيه قوة العراق عبر الاستقرار، وصون كرامة المواطن، وحفظ أرواح أبنائه بدلاً من إحراقها في أتون الصراعات.

