حِينَ تُنْسَى إِنْسَانِيَّةُ الطَّبِيبِ
كما تعلمون، فإن جزءاً من الأطباء في العراق دخلوا في إضراب للمطالبة بحقوقهم المسلوبة، إذ كانوا يعملون لما يقارب خمسة أشهر من دون أن يستلموا فلساً واحداً.
فماذا كانت ردة فعل الناس؟ هل وقفوا مع الطبيب؟ هل طالبوا بحقوق الأطباء؟ هل هاجموا الحكومة وضغطوا عليها لإيجاد حل؟ لا. كان الأسهل عليهم مهاجمة الطبيب واتهامه بالتقصير والفساد واللا إنسانية وما إلى ذلك.
فمهاجمة الضحية هي الشيء الوحيد الذي نجيده في هذه البلاد؛ ضحية تهاجم ضحية، بينما ينعم المسؤول بالراحة والأمان، يشاهد المشهد من فوق، فيسخر ويضحك ثم يذهب إلى النوم مرتاح البال.
ودعماً لزملائي الأطباء، كتبت تغريدة في تويتر كان مضمونها الآتي:
العراقيين الي زعلانين من اضراب الاطباء بحجة ماكو انسانية؛ هذا خطابك وجهه لحكومتك خل تشوف حل؛ ماكو اي انسان يشتغل بلا راتب، الاطباء مو خدم عندكم! همه موظفين حالهم من حال اي موظف بالعالم, بدون فلوس ماكو شغل
وطز بالانسانية وطز بالمريض
فجاءتني اعتراضات كثيرة على استخدامي لكلمة طز! ذلك ان الأخلاقيات قد اصبحت عند كثير من الناس في عصرنا مرتبطة باللغة أكثر من ارتباطها بالواقع نفسه. فهم يتألمون من الكلمات أكثر مما يتألمون من الأفعال، ويغضبون من التعبير الصادم أكثر مما يغضبون من الظلم الحقيقي.
فقد وجد البعض عبارة «طز بالمريض»، بانها عبارة قاسية وغير إنسانية. لكن السؤال الذي لم يطرحه هؤلاء على أنفسهم ماذا عن الطبيب الذي يعمل خمسة أشهر متواصلة من دون راتب؟ أليست هذه أيضاً عبارة (طز بك يا طبيب) ولكن بصيغة عملية أشد قسوة ووحشية؟ فلماذا تُدان الكلمة بينما يُتسامح مع الفعل؟
المشكلة أن كثيراً من هؤلاء المثاليين ينظرون إلى المريض بوصفه الطرف الوحيد الذي يستحق التعاطف، ولذلك يطالبون الطبيب بالتضحية المستمرة والتنازل عن حقوقه بحجة أن هناك من يتألم أكثر منه. متجاهلين ان الطبيب إنسان ايضاً لديه عائلة والتزامات ومصاريف وإيجار وربما ديون وأقساط. وله الحق في حياة كريمة كما للمريض الحق في العلاج.
والحقيقة أن مطالبة الطبيب بالعمل أشهراً بلا راتب ليست دفاعاً عن الإنسانية، بل إنسانية انتقائية تتجاهل إنسانية الطبيب نفسه. فحين يُطلب من طرف واحد وحده أن يضحي بحقوقه وكرامته، فإننا لا نكون أمام أخلاق حقيقية، بل أمام شكل من أشكال الاستغلال الأخلاقي
ان تبعات هذا التفكير خطيرة جداً؛ ذلك أن المثالي يطلب من ضحية (الطبيب) أن تضحي بحقوقها من أجل ضحية أخرى (المريض). فيصبح الطبيب مسؤولاً عن حل أزمة لم يصنعها، بينما تُعفى الجهة الحقيقية المسؤولة من الضغط والمحاسبة.
ان المنطق العقلاني الذي يتجاهله البعض في هكذا ظروف بسيط: إذا أخل أحد طرفي العقد بالتزاماته، فمن حق الطرف الآخر أن ينسحب. فإذا امتنعت الدولة عن دفع الرواتب، فهي التي خرقت العقد أولاً. وعندما تتعطل الخدمات نتيجة ذلك، فإن الضغط الشعبي يجب أن يتجه نحو الجهة التي تسببت بالأزمة، لا نحو الأشخاص الذين سُلبت حقوقهم.
المشكلة أن هؤلاء الإنسانيين المزيفين لا يريدون دفع أي ثمن لحل الأزمات، ولا يريدون مواجهة الواقع كما هو. إنهم يريدون الاحتفاظ بصورة وردية عن العالم، حتى لو كان ثمنها مطالبة الآخرين بالتضحية الدائمة لحقوقهم وكرامتهم.




وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفهامِ شَيءٌ. إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ
انسان لازم يثبت انه يستحق الكرامة و الحياة كل يوم كل ليلة كل ساعة
هكذا باتت شعوبنا التي ترفض رؤية الحقيقة، يغرقوا في الوحل أكثر فأكثر.