بعد زيارة السيد علي الزيدي إلى واشنطن، وتعهده بإنهاء سلاح الفصائل بعد 30 سبتمبر، انتشرت التساؤلات بين الأوساط الشعبية والنخبوية حول مدى جدية كلام الزيدي، فهل هو قادر فعلاً على نزع سلاح الفصائل أم أن الأمر لا يتعدى كونه استهلاكاً إعلامياً؟
الجواب من منظوري يترجح بين نعم ولا، فلا شيء مضمون في الساحة العراقية، إلا أن إطلاق هذا التعهد علناً أمام العالم كله من البيت الأبيض يمنحنا مؤشراً على أن لديه خطة ما، فهذا التعهد لا رجعة فيه لأن التراجع عنه يعني تلقائياً فقدان الشرعية الدولية والغطاء الأمريكي.
كذلك يتحدث البعض عن سيناريو الحرب والصدام المباشر، إلا أن هذا السيناريو مستبعد إلى حد كبير، وذلك لأن الزيدي لا يملك كتلة سياسية أو شعبية صلبة تدعمه في مواجهة من هذا النوع، فضلاً عن أن الولايات المتحدة نفسها ترغب في نزع السلاح بأقل كلفة ممكنة وتجنب انزلاق البلاد نحو حرب أهلية، ولهذا نجد أن مصطلح نزع السلاح ورد تحديداً على لسان هيغسيث دون الإشارة إلى خيار الحرب أو المواجهة العسكرية مع الفصائل.
اذن وبناءً على ذلك، يمكننا حصر المشهد في سيناريوهين لا ثالث لهما. يتمثل السيناريو الأول في التجفيف التدريجي لا المواجهة المباشرة، ويقوم هذا السيناريو على مبدأ قطع الشرايين المالية والسياسية للجهات الرافضة، من خلال قطع التمويل والرواتب عن الفصائل التي تأبى تسليم سلاحها، وملاحقتها قانونياً بموجب قانون مكافحة الإرهاب الموسع، فضلاً عن عزلها سياسياً بعد إقناع أطراف أخرى بالتسليم والاندماج، وهنا يراهن الزيدي على أن العزل المالي والسياسي كفيل بإضعاف الرافضين تدريجياً بدلاً من الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة وهو مسار قد يستغرق سنة أو أكثر.
أما السيناريو الثاني فهو المناورة واللعب من خلال ورقة الوقت، حيث سيعمد الزيدي في هذه الحالة إلى المماطلة وكسب الوقت حتى مغادرة ترامب منصبه، والحقيقة أن التاريخ القريب يدعم هذا التوقع، فكل رئيس وزراء عراقي منذ عام 2003 التزم أمام واشنطن بتعهدات ثم نفذها بطريقة مغايرة تماماً، فالكاظمي وعد بنزع السلاح ولم يحدث شيء، والسوداني وعد بضبط الفصائل وبقي الحال على ما هو عليه.
وتتلخص الصيغة الكلاسيكية للمناورة هنا في الحلول الورقية عبر صياغة قوانين وتشريعات تضمن حصر السلاح بيد الدولة تظهرياً، وإصدار قرارات رسمية وبيانات حازمة من مجلس الوزراء لتسويقها للخارج، بينما على أرض الواقع لن نجد سوى تسليم رمزي للأسلحة وإدماج شكلي مع بقاء السلاح الحقيقي مخزناً في مستودعات الفصائل، وسيكون المسوغ القانوني الجاهز لتمرير هذه اللعبة هو دمج الفصائل في هيئة الحشد الشعبي الرسمية، مما يعني تقنياً وقانونياً أنها أصبحت جزءاً من الدولة بينما تحتفظ باستقلاليتها الفعلية على الأرض.
وأمام هذه المناورة المتوقعة، نجد أنفسنا أيضاً أمام مسارين لكيفية تلقي الإدارة الأمريكية لهذا السلوك، حيث يتمثل المسار الأول في القبول البراغماتي، اي ان يقبل ترامب بهذا الوضع كونه شخصية براغماتية لا إيديولوجية، فإذا حصلت شركاته النفطية على امتيازات وعقود بنسب عالية وتوقفت الهجمات على المصالح الأمريكية، قد يغض الطرف ويقبل بنزع السلاح الشكلي ليعلنه كأحد إنجازاته السياسية.
أما المسار الثاني فيتمثل في الضغط والصدام الحتمي بأن يمارس ترامب ضغطاً هائلاً عبر عقوبات اقتصادية قاسية واغتيالات قيادية مباشرة، فإدارة ترامب تدرك جيداً أن فصل العراق عن النفوذ الإيراني هو الممر الإجباري لمحاصرة طهران، بعبارة اخرى فأن الموقف تحت وطأة الصراع الإقليمي الحالي قد لا يتسامح أبداً مع أي تلاعب أو مناورات تسويفية.


احسنت التفصيل واني مع الخير الثاني وادعو الله ان اكون مخطأ