المُثَقَّفُ الَّذِي نَسِيَ أَنْ يَعِيشَ
في فيلم Another Woman تظهر لنا
أستاذة فلسفة تدعى ماريون؛ امرأة نابغة ومنضبطة ظلت طوال حياتها تسير على خيط مشدود من الجدية، ملتزمة بمسار أكاديمي صلب، حتى كاد أن يتوج بكتاب عن الفلسفة الألمانية قد يقلبها رأساً على عقب.
لكن خلف هذه الهالة الصلبة، كانت ماريون تحس بفراغ داخلي، إحساس خافت مستمر أشبه بوخز في الروح! لقد كانت ماريون تعيش (وجوداً خالياً من الأصالة) على حد تعبير هايدغر؛ اي انها تعيش حياة تخلو من الانخراط الحقيقي في العالم، حياة خالية من الوجود في العالم بمعناه العميق. كانت ماريون تحيا كما لو أنها تشاهد حياتها عن بُعد دون الانغماس بها ..
ولأن الحياة لا تصمت طويلاً أمام من يتجاهلها، بدأت ماريون بمراجعة حياتها؛ فاكتشفت أن قد دفعت ثمناً غالياً لهذا التجاهل. فصديقتها الوحيدة هجرتها لأنها شعرت أنها تبدو سخيفة إلى جانبها، وأخوها وهو أكثر الناس قُرباً يكن لها شعوراً دفيناً بالكراهية. لقد خسرت فيلسوفتنا دون أن تنتبه أكثر ما يُؤنس الإنسان في غربته (الدفء والعلاقات والألفة).
لكن مهلاً، لست هنا كي أحكي عن الفيلم، بل أردت فقط أن أضع هذه التحفة الصغيرة بين أيديكم كمثال تطبيقي لنصيحة أوجهها اليوم، لا لماريون، بل لكل من شابهها فينا. أقول: كن حذراً، ولا تكن مثل ماريون؛ ذلك أن المعرفة حين تتكاثف في القلب والعقل دون توازن، وحين تتحول إلى هوية مغلقة على ذاتها، فإنها شيئاً فشيئاً تبدأ في نزع البراءة من أرواحنا .
فتبدأ بسحب المرح من وجوهنا، وتزرع بدله وجوماً فلسفياً عميقاً لكنه جاف. نشغل انفسنا بقضايا كبيرة لا تمس حياة الناس من حولنا، فنخسرهم ونخسر دفء عيونهم وضحكاتهم ونكاتهم البسيطة. فنغدو كما لو أننا نعيش في برجٍ عالٍ نعرف فيه كل شيء إلا الحياة.
نعم المعرفة نعمة لكنها إن لم تُروَ بالبساطة وإن لم تُطعم بروح الطفولة، فإنها تصير عبئاً وقيداً وسوراً بيننا وبين الآخرين. فلا تكن المثقف الذي يعرف كل شيء عن نيتشه وكانط لكنه لا يعرف كيف يربّت على كتف صديق حزين. ولا تكن الأكاديمي الذي يتقن قراءة النصوص، لكنه يعجز عن قراءة الحزن في وجه أمه.
وكما قال الشاعر الروسي يفتوشينكو:
الذكاء لا يُقاس فقط بما تعرف، بل بقدرتك على فهم الآخرين ومساعدتهم
تعلّم نعم. اقرأ، تأمل، ناقش، اغرق في الكتب ...لكن لا تنسَ أن تضحك. لا تنس أن تحب. لا تنسَ أن تعيش. ولا تكن مثل ماريون.




هجر صديقة ماريون لها لأنه تملكها شعور بالصغر امامها والكره والبغضاء الذي اكنه اخوها لها ذكرني :
بقول الشاعر:
إذا كَانت محاسنيَ اللاّتي اُدِلُّ بها .. كانت ذنوبا، فقلي كيف أعتذرُ؟
ليش حاسس انه المقال عني؟