المَاضِي بِوَصْفِه روَايَةً لَا قَدَراً
أتدرون أن الإنسان يبني دائماً رواية عن نفسه، ثم ينتقي من ذاكرته ما يؤيد هذه الرواية ليصنع حالة من الاتساق الداخلي؟ يُطلق بعض علماء النفس على هذه العملية اسم «التحيز التأكيدي الرجعي» أو «تزوير الذاكرة».
تبدأ الكارثة حين تكون هذه الرواية سلبية؛ إذ يدخل الإنسان في حالة من الخوف الوجودي، ويبدأ في النظر إلى الحاضر والمستقبل من خلال العدسة المشوهة ذاتها. وهذا ما يُعرف في علم النفس بـ«التحكم السردي» حيث تتحول القصة السلبية إلى سجن يمنع المرء من المحاولة، فيشعر أن مصيره قد كُتب وخُتم بماضيه.
يؤكد علماء النفس أن الماضي بهذا المعنى، ليس سوى رواية قابلة للنقد والمراجعة، لا حقيقة مطلقة. ولسنا نعني بذلك الأحداث نفسها، فالأحداث قد وقعت وانقضت، وإنما نعني المعاني التي أُضفيت عليها؛ فهي التي يمكن الطعن فيها وإعادة النظر بها.
ومن هذا المنطلق يعمل بعض المعالجين النفسيين ولا سيما معالجي مدرسة العلاج المعرفي السلوكي، على مساعدة الناس في التحرر من أعباء الماضي وذكرياته المؤلمة عبر التشكيك في الروايات السلبية وإعادة بناء قصصهم الشخصية بصورةٍ مختلفة.
اي انهم في الحقيقة لا يغيرون التاريخ، بل يعيدون صياغة علاقتنا به؛ وذلك من خلال تفكيك الرواية القديمة، والبحث عن الذكريات والخبرات التي أُهملت أو أُقصيت لأنها لا تنسجم مع السردية السلبية المهيمنة.
ثم تأتي مرحلة إعادة التأطير، حيث يتحول الإنسان في قصته من ضحيةٍ عاجزة إلى ناجٍ صلب، امتلك من المرونة والقوة ما مكنه من تجاوز المحنة والعذاب

