هَلْ تَعْكِسُ الرِّياضَةُ قُوَّةَ الدَّوْلَة ؟
قبل بضعة أيام، ومع خسارة منتخب العراق بأربعة أهداف مقابل هدف أمام النرويج، خرج علينا صانع المحتوى الاخ حيدر والمعرف بعبارة(ابن الحضارة) قائلاً إن سبب الخسارة هو أننا كشعب غير قادرين على وضع الزبالة في مكانها الصحيح، فكيف نمني النفس بوضع الكرة في الهدف!
ورغم انزعاج كثيرين من كلامه، بل وسخريتهم منه، إلا أنني أتفق معه بالكامل؛ فمن منظوري لم يكن قصده إهانة الشعب، ولا التقليل من موهبة اللاعب العراقي، بل كان يشير إلى حقيقة أن الرياضة ليست معزولة عن شكل الدولة والمجتمع.
فالمنتخب في النهاية ليس أحد عشر لاعباً يركضون خلف الكرة، بل هو الخلاصة الأخيرة لمنظومة كاملة تبدأ من المدرسة والأكاديمية، مروراً بالقانون والصحة والتغذية، وصولاً الى الادارة والتخطيط والانضباط والثقافة العامة.
الا اننا وبكل سذاجة نحب أن نتعامل مع مع الرياضة كأنها معجزة منفصلة عن كل شيء. فنحن نريد منتخباً قوياً في دولة ضعيفة! ولاعباً منضبطاً بطعامه وسلوكه في مجتمع لا يحترم النظام اصلاً ! واتحاداً محترفاً يخطط بعمق في بيئة لا تعرف سوى الفوضى، ومدرباً عظيماً فوق أرض لا تعرف معنى التخطيط طويل الأمد.
ان الحقيقة الدامغة والتي نحاول ان نتجاهلها أن قوة الرياضة مرتبطة بقوة الدولة. وانا هنا لا أقصد أن الدولة القوية يجب أن تفوز دائماً بكأس العالم، ولا أن الدولة الضعيفة لا تستطيع أن تنتج لاعباً عظيماً أو جيلاً ذهبياً، فهذا ممكن. لكن الفرق كبير بين نجاح عابر ونجاح مؤسسي. الفرق كبير بين ومضة تأتي بالصدفة، وبين منظومة تُنتج التفوق جيلاً بعد جيل.
كينيا وإثيوبيا مثلاً، عظيمتان في سباقات المسافات الطويلة، لكن أين حضورهما في بقية الرياضات؟ أين كرة القدم؟ أين السباحة؟ أين السلة؟ أين الجمباز؟ أين المنظومة الشاملة؟ إنهما لا تمثلان قوة رياضية وطنية بقدر ما تمثلان تفوقاً قطاعياً ضيقاً، صنعته الجغرافيا والثقافة والبيئة الجسدية أكثر مما صنعته الدولة الحديثة.
وكذلك بعض المنتخبات الإفريقية في كرة القدم، قد تتقوى بلاعبين نشأوا في أوروبا، وتدربوا في مدارس أوروبا، وتشكلوا داخل مؤسسات أوروبا، ثم عادوا لتمثيل بلدانهم الأصلية. ورغم ان هذا نجاح جميل، الا انه ليس دليلاً على قوة المنظومة المحلية.
فالدولة القوية حقاً، لا تظهر قوتها في رياضة واحدة فقط، بل في اتساع الحضور الرياضي ( كرة قدم وكرة السلة وسباحة وألعاب القوى وتنس وجمباز ودراجات، ورياضات شتوية وأولمبياد وأندية …. الخ
لذلك ترى دولاً مثل ألمانيا، اليابان، أستراليا، بريطانيا، فرنسا، الصين، الولايات المتحدة، لا تختفي من المشهد الرياضي ابداً. صحيح انها قد تخسر بطولة، وقد تفشل في لعبة معينة، لكنها لا تنهار كلياً؛ لأن خلفها دولة تعمل وتراكم ولا وجود لمنطق الصدفة.
وهنا نصل إلى العراق. مشكلتنا ليست أننا خسرنا أمام النرويج فقط، فالهزيمة في كرة القدم واردة. المشكلة أن خسارتنا ليست حدثاً معزولاً انما هو عرضٌ من أعراض مرض طويل. فنحن لا نملك منظومة رياضية حقيقية بل نملك لحظات انفعال، وجيلاً يظهر فجأة، ثم يختفي فجأة، فنعود بعدها إلى الصفر.
خذ مثال كأس آسيا 2007. نعم، كان إنجازاً عظيماً. لكنه كان نجاحاً عاطفياً أكثر منه نجاحاً مؤسسياً. فلو كان ذلك اللقب نتيجة مشروع رياضي حقيقي، لكان المفترض أن يتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع كبير!. لكن ماذا حدث بعدها؟ عدنا إلى دوامة الغياب والتعثر وقد فشلنا بالتاهل الى كاس العالم ولم نحقق اي انجاز !!
اذن هذه هي الكارثة التي يجب استيعابها؛ وهي أن نجاحاتنا الرياضية غالباً أحادية ومنفصلة وعاطفية ومؤقتة. اي انها لا تأتي بوصفها نتيجة تراكم طبيعي، بل بوصفها مفاجأة سرعان ما تنطفئ. فنفرح بها ونبكي لها ونرفع الشعارات، ثم لا نبني عليها شيئاً. وبعد سنوات، نكتشف أننا لم نؤسس اي شيء.
لذلك، كلام ابن الحضارة كان جارحاً لأنه من منظوري صادق. فهو لم يكن يتحدث عن النفايات فقط، بل عن الدولة التي تفشل في أبسط صور التنظيم. فإذا كانت الدولة فاشلة في صناعة شارع نظيف ومدرسة محترمة ونادياً حقيقياً، واتحاداً شفافاً، وملعباً صالحاً، وقانوناً يطبق على الجميع، فكيف نطلب منها أن تصنع منتخباً ينافس الكبار؟
ولهذا يجب أن نتوقف عن خداع أنفسنا. أزمة الرياضة العراقية بالمجمل ليست أزمة مدرب، ولا لاعب، ولا خطة لعب. إنها أزمة دولة…






فِعلًا ،الدولةُ الفاشلةُ في صناعةِ شارعٍ نظيفٍ ستفشلُ في صناعةِ منتخبٍ ينافسُ الكبارَ ،ومَا نراهُ الآنَ من فوزِنا في كأسِ آسيا وكأسِ الخليجِ و تأهُلِنا لكأسِ العالمِ ومصارعتِنا لكبارِ المنتخباتِ مثلَ النرويج وفرنسا ما هوَ إلّا جهودٌ فرديةٌ لا تمتُّ بمنظومةِ العراقِ الكرويةِ بصلةٍ.
مقالُك لامسَ عُمقَ الحقيقةِ للأسفِ .
كلام حقيقي في محله