شَرْعِيَّةُ الحِيتان وَالرَّفْضُ الانْتِقائِي
قبل مدة؛ سألني أحد الأصدقاء العرب قائلاً: أجد صعوبة في فهم الواقع السياسي العراقي؛ كيف لمجتمع يعلن رفضه الصريح للطبقة السياسية ويشتمها ليل نهار، أن يُبقي هذه الطبقة في السلطة، بل ويمنحها الشرعية؟
وللإجابة عن تساؤله أقول: في حقيقة الواقع العراقي لا يوجد رفض شامل للطبقة السياسية الفاسدة، انما ما يوجد هو رفض انتقائي ومزاجي.
ولتقريب الفكرة، افترض أن في العراق عشرة حيتان سياسية تمثل أصل المشكلة. ستجد أن الغالبية الساحقة من الناس تُقدس واحداً أو اثنين من هذه الحيتان، بينما تهاجم الثمانية الآخرين. فالمواطن العراقي يرفع شعار محاربة الفساد من جهة، لكنه من جهة اخرى يستثني حوته المفضل، فيتحول إلى خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه.
اي إنه يهاجم فساد الآخرين، لكنه يبرر فساد من يؤيده ويصمت عنه، أو يبحث له عن الأعذار. وهكذا يصبح كل فاسد محمياً بجمهور يرى فيه استثناءً، بينما يطالب بمحاسبة الجميع إلا هو.
وبهذه الطريقة تتولد الشرعية. فالفاسدون ليسوا بحاجة الى رضا المجتمع كله، بل هم بحاجة الى انقسام المجتمع إلى جماعات، ثم تتولى كل جماعة حماية حوتها الخاص. وعندما تتوزع الحماية بهذا الشكل لا يبقى هناك فاسد بلا غطاء، بل يصبح كل فاسد ممثلاً لشريحة ترى أن سقوطه تهديداً لكيانها.
ولهذا، فإن الأزمة في العراق ليست أن الشعب يحب الفساد، بل أن كثيرين يرفضون الفساد بوصفه مبدأ، ثم يقبلونه عندما يرتديه الشخص الذي يمثل هويتهم أو طائفتهم أو حزبهم أو مصالحهم.
وبهذه الطريقة؛ يتحول رفض الفساد من قيمة أخلاقية إلى مجرد أداة تُستخدم ضد الخصوم، لا معياراً يُطبق على الجميع.


ولكن لماذا يمكن لمواطن بسيط فقير او حتى ميسور الحال ان يدعم رجل سياسي يعني المقصود في القول هل ياخذ هذا المواطن فائدة من دفاعه عن الحوت وهل الحوت يؤسس جماعة؟
الأمر كله مرتبط بالأيدلوجية ،فهذا الشخص الفقير بمجرد إعجابه بأيدلوجية حوتٍ ما ،ستراه يدافع عنه دفاع الأبطال ،متجاهلًا السلبيات التي خلفتها هذا الأيدلوجية .