تستوقفني دائماً تلك النظرة القاصرة التي يُلقيها المجتمع على متعلمي اللغات، حيث يُقاس إتقان المرء للغة ما بموازين وهمية لا تمت للواقع العملي بصلة.
يجلس الواحد منهم أمامك ليمتحن طلاقتك، وكأنه ينتظر منك أن تكون معجماً يتمشى على قدمين! أو يطالبك بأن ترطن بلسان أهل البلد الأصليين دون كبوة أو هفوة، محاكماً إياك بناءً على وهمين شائعين يقع فيهما عموم الناس، بل وحتى بعض القائمين على تدريس اللغات نفسها.
يكمن الوهم الأول في تلك الصورة النمطية التي تفترض أن الطلاقة تعني الإحاطة الشاملة بكل شاردة وواردة في اللغة، والتحدث بها وفهم تفاصيلها تماماً كما يفعل ابن البلد. وهذا شطط غير واقعي بالمرة، ولا سيما لمن يخوض تجربة التعلم لسنوات قليلة؛
فالوصول إلى مستوى المتحدث الأصلي ليس مفتاحاً تدركه في سنين معدودة، بل هو ثمرة سنوات طويلة ممتدة من الاحتكاك المباشر والاستخدام اليومي الحي. إن النظرة المنطقية تحتم علينا إدراك أن الإتقان الحقيقي للغة لا يعني إلغاء هوية المتعلم أو تحويله إلى نسخة طبق الأصل من أهلها، بل يعني قدرته الفذة على أداء الوظيفة التي تعلم اللغة من أجلها، فاللغة في جوهرها ليست سوى وسيلة للتواصل والتعبير، وليست غاية قائمة بذاتها.
أما الوهم الثاني، فيتجلى في الاعتقاد الجازم بأن إتقان اللغة يرتهن باحتراف جوانبها الأربعة كلياً: (القراءة، والكتابة، والاستماع، والتحدث). وهذا الطرح يصطدم مباشرة مع جوهر اللغة الا وهي الوظيفية. فليس كل من يقبل على لغةٍ ما يسعى لخوض غمارها بجميع مساراتها؛ من يتصدى لتعلم الروسية مثلاً بغية الغوص في أروقة الأدب الروسي وقراءة ابداعاته، ليس بحاجة قط إلى استنزاف طاقته في صقل مهارتي المحادثة أو الكتابة بالقدر ذاته. ومتى ما أضحى قادراً على سبر أغوار النصوص وفهم أبعادها متذوقاً كلماتها، فهو قد حقق الغاية القصوى التي شمر عن ساعديه من أجلها. وفي هذه الحالة، يحق له بكل ثقة أن يعلن إتقانه للروسية بمعناها العملي والمستهدف، حتى وإن لم تكن بقية المهارات لديه بالقوة نفسها.
اذن يجب علينا ان نفهم جوهر اللغة وغايتها لكي لا نقع في مغالطات لا قيمة لها تتعلق بمدى اتقان الاربع مهارات او فخامة جودة اللهجة ومدى تطابقها مع المتحدث الاصلي.


اذن هل أُعتبر متقنة للغة ما إذا حققت الهدف الذي تعلمت اللغة لأجله ؟
مبدع