يخبرنا العلماء، انه منذ فجر الوعي، عاش الإنسان بين خوف من الطبيعة ورغبة في مصادقتها. وحين لم يملك لغة يفسر من خلالها المطر والبرق والمرض، اخترع الرمز. ثم لبس الرمزُ شكلَ الطقس، وصار الجسد هو وسيلة الروح إلى التعبير.
يرى جيمس فريزر في كتابه “الغصن الذهبي” أن الطقوس الأولى كانت نوعاً من السحر التمثيلي، أو المحاكاة؛ فالإنسان القديم كان يرقص طلباً للمطر، ويغرس خنجره في دمية تمثّل عدوه اعتقاداً بأن الألم سينتقل عبر (قانون التشابه) إلى الجسد الحقيقي. بمعنى أنه كان يعتقد أن العالم شبكة من المرايا، يكفي أن تحرك ظل الشيء لتُصيب أصله.
جاء بعد ذلك فتغنشتاين ليقلب هذا المنظور رأساً على عقب، ويقول إن الرجل الذي يطعن دمية عدوه لا يفعل ذلك لأنه يؤمن بقانون خفي، بل لأنه يريد أن يمنح خوفه شكلاً، وأن يُمسك بما لا يُمسك. أي أن الطقس عند فتغنشتاين وسيلة إنسانية رمزية تُترجِم ما لا يُقال.
والواقع، نحن جميعاً نمارس طقوساً دون أن نعي أنها طقوس. خذ مثلاً عندما نقبل صورة من نحب، ونرفع أيدينا للسماء عند الفشل، نلمس الخشب حين نخاف من الحسد، ونقف وقفة حداد على أرواح من فقدناهم. كل هذه الأمور أفعال رمزية، أي أنها محاولات لخلق انسجام بين داخلنا الموجوع والعالم الخارجي. إذن يجب أن نفهم ونُفهم الآخرين أن الطقس ليس دائماً تخلفاً، بل لغة وجودية تعبر عن هشاشتنا في وجه الغيب.
ولعل ما يعمق هذا الفهم هو ما ذهب إليه ميرتشا إلياد، أحد أبرز مؤسسي علم الأديان الحديث، في كتابه (المقدس والدنيوي) فإلياد يرى أن الوعي الإنساني في كل حضارة وفي كل عصر، يتأرجح بين عالمين: المقدس، وهو كل ما يتجاوز الزمكان ويتجلى في نظام وجود آخر، والدنيوي، وهو الفضاء العادي المتجانس والزمن المتكرر الرتيب.
والإنسان الديني عنده هو من يعيش في توتر دائم بين هذين العالمَين، فيسعى للتواصل مع المقدس والتشبث به عبر ما يسميه إلياد (التجلي المقدس) أي تلك اللحظة التي يتجلى فيها المقدس من خلال شيء دنيوي كحجر أو شجرة أو إنسان، فلا يتوقف الشيء عن كونه ما هو، لكنه يصبح في الوقت ذاته نافذة إلى عالم آخر.
ومن أجرأ ما طرحه إلياد أنه رفض الادعاء بأن الإنسان الحديث تخلى تماماً عن المقدس، بل رآه قد تنكر فقط ولم يختفِ؛ فالأيديولوجيات والفن والطقوس العلمانية كلها بقايا لهذا الحضور المقدس الذي لا يقبل أن يُمحى من بنية الوعي الإنساني.
ومن هذه الزاوية يمكن أن نقرأ الطقوس الشيعية، بوصفها رموزاً حية للذاكرة والمعنى. فحين يضرب الشيعي صدره، لا يفعل ذلك ليؤذي نفسه كما يعتقد البعض، بل ليُترجم الألم الجماعي إلى حركة محسوسة، أي ليُحول الحزن إلى فعل وحضور حي. فما يبدو من الخارج طقساً جسدياً هو في جوهره لغة وجدانية مشتركة تحفظ الهوية وتجسد الولاء الأخلاقي للعدل وللألم الإنساني.
ولكن يجب أن نتذكر دائماً أن رسالة الإمام الحسين ليست مجرد طقوس وشعائر، بل هي في جوهرها رسالة ثورية وأخلاقية وإنسانية. وأنا لا أقول للشيعي لا تمارس شعائرك، بل على العكس، مارسها كما تشاء، ولكن مارسها بوعي.
فعندما تلطم، يجب أن تتذكر أن الحسين خرج رفضاً للظلم والانحراف، وأن البراءة من أعدائه لا تقتصر على شخصيات التاريخ، بل تشمل كل ظالم وفاسد ومستبد في زماننا أيضاً. وعندما تقدم الطعام تقرباً إلى الله وثواباً للإمام الحسين، يجب أن تشعر بمعاناة الفقراء والجائعين والمحرومين، وأن تدفعك هذه الشعائر إلى مزيد من العطاء والمسؤولية الاجتماعية.
إن إحياء ذكرى الامام يجب أن يصنع مواطناً صالحاً يرفض الظلم، ويقاوم الفساد، ويرفض التملق والخضوع الأعمى، ويسعى إلى العدالة والخير والإصلاح. فالحسين لم يكن مشروع حزن فحسب، بل كان مشروع كرامة وحرية ووعي.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تُمارس هذه الشعائر ضمن إطار من العقلانية والأخلاق واحترام الآخرين، فلا ينسجم مع رسالة الامام أن تتحول الشعائر إلى مصدر أذى للناس أو تعطيل لمصالحهم أو انتهاك لحقوقهم.
فإغلاق الطرق وإيذاء الآخرين بالضوضاء أو التسبب بالفوضى لا ينسجم مع روح الثورة الحسينية التي قامت على مكارم الأخلاق. وكذلك لا ينبغي أن تتحول بعض الممارسات إلى أذى جسدي خطير، خصوصاً عندما تُفرض على الأطفال أو القاصرين الذين لا يملكون القدرة على اتخاذ قرارهم بحرية ووعي، فكل ممارسة دينية أو شعائرية يجب أن تراعي كرامة الإنسان وسلامته.
ختاماً اقول؛ إن أفضل إحياء لذكرى الامام الحسين هو أن تتحول الشعائر إلى مدرسة للأخلاق والوعي والحرية والعدالة، وأن تجعل الإنسان أكثر شجاعة في مواجهة الظلم، وأكثر رحمة بالناس، وأكثر التزاماً بخدمة المجتمع.





محاولة بائسة ، أنت تعيش نزاع بين العقل النقدي المتجرد و الارتباط الروحي و الديني مع مجموعتك ( أبناء طائفتك ) ، فتسعى جاهداً أن تضفي طابعاً عقلانيا على الطقوس التي لو جردناها من قداستها المزعومة لتيقنت أنها مجرد طقوس غبية تهين الكرامة الإنسانية و تزيد النفور من الدين ، يجدر بك صديقي أن تتجرد للعقل و ألا تتماهى مع الجهل و الخرافات
احسنت ❣️