يصادفني كثيراً أناسٌ لا يهتمون بالسياسة، ولا يملكون أي معرفة حقيقية بها، متذرعين بأنها لا تستهويهم، وأن لهم اهتمامات أخرى يفضلونها. وأنا بطبعي لا احب أن أفرض على احد ما لا يريد، لكن حين يتعلق الأمر بالسياسة، أجد نفسي احاول قدر الإمكان إقناع الناس بل ودفعهم دفعاً للاهتمام بها.
فالسياسة يا اصحاب ليست تخصصاً كغيره، وليست هواية أو رفاهية كالأدب أو الفن ولا حتى كالفلسفة والعلوم الاجتماعية {مع ان هذه كلها تتداخل وتصب في علم السياسة} . السياسة شيء آخر تماماً؛ إنها {علمٌ سيال} يتسرب إلى حياتك ويقتحمها ويغير مسارها احياناً مئةً وثمانين درجة.
فأنت في المقام الأول إنسان، وفي المقام الثاني مواطن. وكلمة مواطن تعني أنك تنتمي إلى وطن ما، وبمجرد هذا الانتماء تصبح جزءًا من معادلة ذلك الوطن، وفاعلاً رئيسياً فيها خصوصاً إن كنت تعيش في دولة ديمقراطية.
وبالتالي فأن كل قرار وكل قانون داخلي أو خارجي تتخذه حكومة بلدك، سينعكس عليك سلباً أو ايجاباً. ان السياسة يا صديقي هي راتبك الذي تستلمه والمشفى الذي تتعالج فيه والجسر الذي تعبره. هي الضرائب والخدمات والأمن والمنتجات والإنترنت… الخ وكما قال أرسطو عن الفلسفة {لا فكاك من الفلسفة} أقول أنا [لا فكاك من السياسة].
يقول جورج أورويل {في عصرنا لا يوجد شيء اسمه بعيداً عن السياسة؛ كل القضايا سياسية}. وهو محق تماماً. خذ مثلاً الطائفية في العراق عام 2006؛ ستجدها سياسية بامتياز، أو على الأقل كانت محركاتها سياسية. التفجيرات الإرهابية نفسها كانت مدفوعة بسياقات سياسية؛ والدليل هو عندما تغير الوضع الإقليمي وتوقفت الإمدادات رأينا توقف التفجيرات.
حتى اذا عدنا إلى زمن النبي محمد سنجد أن الخلاف السني / الشيعي، في جوهره سياسي ايضاً. فالسياسة تتغلغل في كل شيء أكثر مما تتخيل؛ فلا الأديان تسلم منها، ولا العلوم، ولا المعارف. كل شيء مُسيس بشكل أو بآخر، وأنت بحاجة إلى وعي سياسي لتفكك هذا التسييس، كي لا تبقى ألعوبة.
كيف تصبح ألعوبة؟ الأمر بسيط جداً؛ فحين يجعلونك تدافع عن قوانين معينة بحجة أنها تخدم المذهب أو الدين، أو حين يقنعونك بكراهية فئة أو الاستعداد لقتلها بحجة أنها تكرهك أو تحقد على دينك فهنا أنت ألعوبة.
وحين يُقنعونك بأن العالم كله متآمر عليك بسبب انتمائك، وأن الفقر والانحطاط اللذين تعيشهما هما {ضريبة هذا الانتماء} فهنا أنت ألعوبة ايضاً.
أثناء كتابتي لهذا المقال تذكرت فيلماً مأساوياً أنصحكم بمشاهدته لفهم كيف تطال السياسة الجميع؛ فيلم {إحنا بتوع الأتوبيس} وهو أحد أشهر أفلام السينما المصرية. يصور الفيلم رجلين عاديين تماماً لا علاقة لهما بالسياسة، يُعتقلان بالخطأ خلال حملة أمنية عشوائية.
يكرران تحت التعذيب جملة واحدة فقط { يا باشا، إحنا بتوع الأتوبيس} أي نحن لا علاقة لنا بشيء، كنا مجرد ركاب في الحافلة. لكن الدولة لا تصدق، او لا تريد ان تصدق حتى لو كانت تعرف الحقيقة.
ان رسالة الفيلم واضحة جداً؛ البراءة والابتعاد عن السياسة لا يحميانك والحياد لا يقف في وجه السياسة حين تقرر سحقك.
ودعني أقول لك سراً مهماً جداً؛ الأنظمة السياسية ديمقراطية كانت أم سلطوية تفرح كثيراً حين لا يفهم مواطنوها السياسة. إنهم يعشقون الجهلة والنائمين، لأن ذلك يتيح لهم اللعب والعبث بلا ضغوط حقيقية.
وهنا يجب أن افرق بين أمرين؛ بين أن تكون عارفاً بالسياسة، وأن تكون ثرثاراً يلغو بالشأن السياسي. العارف الحقيقي مخيف للسلطة، أما الثاني فأهبل ومريح لها وهؤلاء موجودين في كل مكان حولنا.
في دولنا العربية، وفي العراق خصوصاً، يكثر النوع الثاني، فالجميع يتحدث في السياسة، لكن الحقيقة أن أغلبهم لا يفهم شيئاً. يتحدثون بلا علم ولا دراية، من أجل الكلام فقط.
هذه الفوضى المعرفية المبنية على اقتباسات مبتورة، وأخبار مجتزأة، مع قليل من ألسب والصراخ تريح السياسي ايضاً؛ لأنها لا تسائل ولا تضغط بل تخلط الحابل بالنابل وتشوش القضايا. {مجتمع تويتر انموذجاً}
فالسلطة تستطيع قمع الغاضبين وسجن المحتجين واسكات المثرثرين، لكنها لا تستطيع الصمود أمام العارفين؛ أولئك الذين يفهمون ماهية السياسة، ويدركون أبعادها وأخلاقياتها وضروراتها، ويتعاملون معها بوعي، لا بردات فعل.
لهذا فأنا أدعوك إلى هذه المعرفة الحقيقية؛ وانا بدوري سأسعى في الأيام القادمة ان شاء الله، أن أساعدك على تعلمها وافتح لك الكثير من الطرق المغلقة.


إذا لم تمارس السياسة تمارس عليك. قاعدة
كنت اعتقد ان اجتناب السياسة هي افضل شي من الثرثره فيها طلع الكلام عميق وفهم السياسة مهم أشكرك على شرحك الراقي ❤️