تَأَمُّلَاتٌ في فِلْم «آخِر الرِّجَال المُحْتَرَمِينَ»
يُعد فيلم “آخر الرجال المحترمين” من الأفلام الاجتماعية الجريئة التي تجرؤ على نقد المجتمع والسلطة السياسية بعمق لافت، تاركاً في كل مشهد ما يستحق وقفة وتأملاً حقيقياً.
تبدأ الحكاية بلحظة قاسية، حين تضيع تلميذة كانت برفقة معلمها في رحلة مدرسية، وهو رجل معروف بصرامته الأخلاقية وتمسكه الشديد بمبادئه. فيندفع في رحلة بحث يائسة عنها، لكن أول ما يواجهه ليس الدعم بل اللوم، حين تحوله الشرطة من إنسان يبحث عن طفلة إلى متهم يُحاسَب قانونياً، متجاهلة تماماً جوهر المأساة الإنسانية التي يعيشها.
وبدل أن تتحرك الأجهزة الرسمية بجدية تناسب خطورة الموقف، تتحول القضية إلى سلسلة من الإجراءات الروتينية الفارغة من أي إحساس بالمسؤولية. ويصل العبث إلى ذروته حين يحاول أحد الضباط طمأنة المعلم بعبارة تلخص العجز المؤسسي كله، مفادها أن الأمور ستُحل من تلقاء نفسها بإذن الله. هذا المشهد يفتح باباً للتفكير في ميل ثقافي عام إلى الاستسلام للقدر بدل مواجهة الواقع، وانتظار الحلول الميتافيزيقية بدل السعي.
ثم يحاول المعلم الوصول إلى الوزير شخصياً، مؤمناً بأن اختفاء طفلة في رحلة مدرسية أمر يستوجب تدخلاً عاجلًا من أعلى المستويات. لكن الرد الذي يصله من مدير مكتب الوزير وبشكل ساخر يخبره بأن مثل هذه الأمور لا تستدعي تدخل الوزير. وهنا؛ تنكشف الهوة العميقة بين وعي المثقف الذي يؤمن بسلطة القيم، وعقل الدولة الذي لا يرى في المأساة الإنسانية سبباً كافياً للتحرك.
فيرد المعلم بسؤال غاضب: إذا لم يتحرك الوزير من أجل هذه الأمور، فلأي شيء سيتحرك؟ وهذا السؤال يمثل صرخة احتجاج على سلطة فقدت مضمونها الأخلاقي وتحولت إلى كيان وظيفي بارد لا يتحرك إلا حين يتهدد أمنها السياسي. والمشهد هنا لا يكشف فقط عن جفاء السلطة، بل يعري أيضاً سذاجة المثقف الذي لم يستوعب بعد أن مؤسسات الدولة لا تسير بمنطق العدالة، بل بمنطق المصلحة والسيطرة.
فالمعلم يعيش داخل قوقعة مثالية، اذ يحاول فرض تصوراته الأخلاقية على عالم بيروقراطي لا يعترف بالمبادئ بقدر ما يعترف بالتعليمات والخطوط الحمراء. وفي هذا التناقض تنكشف استهانة ضمنية بمعاناة المواطن العادي، الذي تُختزل مأساته إلى تفصيل صغير لا يستحق إثارة ضجة رسمية.
وبعد أن يُستهزأ به في أقسام الشرطة، ويغرق في روتين لا ينتهي من الإجراءات الفارغة، وتنتهي محاولاته في دوائر الأمن والداخلية إلى طريق مسدود، يدرك المعلم أن الدولة في بلاده لا تملك الإرادة ولا القدرة على حل مشكلته، حتى عندما تتعلق القضية بحياة الانسان.
وفي هذه اللحظة، وبناءً على اقتراح من مدير الفندق، يتجه المعلم إلى خيار خارج عن النظام الرسمي تماماً، فيستعين بزعيم بلطجية لا ينتمي إلى أي جهة قانونية، لكنه -بحسب منطق الناس يملك القدرة على الفعل بخلاف مؤسسات الدولة العاجزة. هذا التحول الدرامي من أجهزة الدولة إلى سلطة موازية يرمز إلى تحلل هيبة القانون وانهيار العقد الاجتماعي بين المواطن ودولته.
والحقيقة ان هذا التحول ليس مجرد حبكة درامية عابرة، بل تشخيص رمزي لحالة عربية متكررة؛ فحين تعجز الدولة عن أداء وظيفتها الأساسية في حماية مواطنيها وتلبية حاجاتهم، يبدأ الناس باللجوء إلى بدائل غير رسمية كالعصابات والعشائر والزعامات الدينية أو حتى الشبكات الخارجة عن القانون.
ومع مرور الوقت، لا تبقى هذه القوى البديلة خياراً اضطرارياً عابرًا، بل تتحول إلى نظام موازٍ أقوى من الدولة نفسها، لأنها تؤدي الدور الذي كان من المفروض أن تقوم به المؤسسات الرسمية. وبهذا تفقد الدولة احتكارها للشرعية، ويُعاد توزيع القوة على أساس الولاء بدل القانون.
فالمعلم في النهاية لا يبحث فقط عن طفلته الضائعة، بل يبحث عن العدالة التي عجز النظام عن تحقيقها. والنتيجة ليست مجرد فقدان للثقة في المؤسسات، بل تأسيس لواقع جديد تتقلص فيه الدولة وتتآكل مؤسساتها، حتى تصبح مجرد شكل خارجي فارغ من أي وظيفة حقيقية.





احسنت
والحل اوماواجبنا كمواطنين