إن المتأمل في المعضلة العراقية اليوم، وفي جوهر الحالة التي تشل مفاصل الدولة وتُسقِط محاولات النهوض، يجد أن أحد الأسباب الرئيسة يكمن في الغياب التام لمعارضة ذكية وعقلانية ومُنظمة في الخارج؛ إذ إن معارضة خارجية فاعلة، تمتلك الرؤية والأدوات، كانت ستشكل عامل ضغطٍ هائل يُجبر السلطة على مراجعة أدائها وتعديل بوصلتها لو أُديرت بالشكل الصحيح.
وفي أحيان كثيرة، يخالجني شعورٌ بأنه لو كان صدام أو أبناؤه على قيد الحياة (ولا أقول هذا حباً بهم، فهم أراذل أفسدوا في البلاد وعاثوا فيها خراباً) لكان وجودهم ليشكل تهديداً وجودياً ومخيفاً للنظام الحالي، مما يضطره ربما* رغماً عنه إلى تعديل سلوكه السياسي والتكيف نحو بناء وطن حقيقي يتسع للجميع.
قد يجادل البعض بأن وجود البعث كان سيُستغل من قبل الطبقة الحاكمة للتخويف والابتزاز السياسي وتبرير الفشل وقمع الأصوات المخالفة بدعوى "الطابور الخامس"، مع شد العصب الطائفي لضمان البقاء وهذا رد مشروع وربما كان ليحدث فعلاً.
لكن المفارقة المضحكة تجسدت في أن القوى الحاكمة استخدمت هذه الحجة بالفعل منذ عام 2003 وحتى اليوم؛ لقد استثمروا في العدو المتخيل وحولوا البعث إلى شماعة وبروباغندا دائمة لابتزاز الشارع وتحقيق المكاسب الانتخابية دون مقابل.
اما لو كان التهديد واقعياً وموجوداً بقيادة شخصيات ملكت أدوات السلطة سابقاً وتعرف خباياها، لكان سيناريو التعاطي مختلفاً تماماً. اذ ان الخوف الحقيقي ربما كان سينقل أي نظام سياسي من حالة الاسترخاء والعبث إلى حالة صراع البقاء.
وفي صراع البقاء، تُجبر النظم على اتخاذ قرارات صارمة لتأمين جبهتها الداخلية وذلك من خلال تحسين الخدمات الأساسية للحد من القواعد الشعبية للخصم، وخفض مستويات الفساد الفاقع الذي يغذي النقمة الجماهيرية، وخلق واقع أفضل يمنح المواطن شيئاً ملموساً يخاف على خسارته لو عاد النظام القديم.
أما على مستوى الداخل، فالأزمة لا تقل ضراوة؛ إذ تغيب المعارضة الوطنية الحقيقية، وينعدم وجود النخبة المثقفة المعارضة ذات المشروع المتماسك. فكل ما نراه في الساحة اليوم لا يتعدى كونه تجمعات لمراهقي الفكر، يهاجمون الطبقة السياسية بناءً على معطيات مذهبية، أو عنصرية، أو مناطقية ضيقة.
وفي هذا السياق، لا يسعنا سوى استحضار تشرين كعلامة فارقة؛ فعظمتها وكره الكثيرين لها ينبعان من كونها كسرت أعتى التابوهات السياسية والاجتماعية. لكنها وللأسف الشديد، لم تنتج معارضة حقيقية ولا ثقافة سياسية يمكن البناء عليها، بل أفرزت في الوقت ذاته جيلاً يحمل ثقافة متطرفة لا تقل همجية عن الطرف الذي خرج للثورة عليه.
ختاماً اقول، ان بداية أي تغيير حقيقي وناجز في العراق يبدأ حتماً من تشكيل معارضة حقيقية قادرة ومُنظمة. فمن دون توفر القدرة والتنظيم المؤسساتي، سيبقى فعل الرفض والمقاومة مجرد ظاهرة صوتية جوفاء، لا تختلف عن التهريج الصادر من منصات المغتربين في الخارج.




مقالك جيد،ولكنك لم توضح ما هي المقاومة الفعالة الخارجية او حتي الداخلية