الدَّرْسُ الَّذِي لَمْ نَتَعَلمْهُ مِنْ سْبَايْكَر
في مثل هذه الأيام تحل علينا الذكرى الأليمة لمجزرة سبايكر؛ ذلك الجرح الذي لا يرضى أن يلتئم إلا بإحقاق العدالة ومحاسبة المتسببين، سواء كانوا مشاركين في الجريمة جنائياً، أم كانوا سبباً سياسياً في وقوعها.
في هذا المنشور لن أتحدث عن تفاصيل الجريمة وأبعادها، فذلك موضوع معقد سأؤجله إلى وقتٍ آخر، وإنما سأقف عند نقطتين أراهما في غاية الأهمية.
أولاً، نحن في هذه الذكرى لا نريد عطلاً رسمية بقدر ما نريد العدالة لأكثر من 1700 عراقي بريء لم يكن لهم شأن بالصراعات السياسية، ولم يتسببوا بأذى لأحد. كما نريد إنصاف عوائل الشهداء، ولا سيما أولئك الذين ما زالوا يعيشون ظروفاً قاسية من العوز والحرمان؛ ذلك ان قيمة الدولة تُقاس بمدى وفائها لمن ضحوا من أجل الوطن.
أما النقطة الثانية، فهي أننا كلما عادت ذكرى مجزرة سبايكر، والتي يعدها بعض المؤرخين من أكبر المجازر الجماعية في القرن الحادي والعشرين، عدنا نحن أيضاً إلى تكرار الخطأ نفسه، بل وإعادة إنتاج العقلية ذاتها التي ساهمت في صناعة سبايكر وغيرها من الكوارث.
فعندما تتهم محافظة بأكملها بأنها تواطأت مع داعش، أو تحمل مجتمعاً كاملاً مسؤولية ما جرى، فإنك تقع في الفخ ذاته الذي قاد إلى كثير من المآسي، وتمهد من حيث لا تشعر لكوارث مستقبلية جديدة.
يجب علينا أن نفرق بين محافظة كبيرة مثل صلاح الدين وبين أفعال أفراد أو جماعات امتلكت عقليات إجرامية وطائفية. والدليل على ذلك شهادات عشرات الناجين الذين تحدثوا عن أهالٍ خاطروا بحياتهم لمساعدتهم، وقدموا لهم الطعام والمأوى والحماية، رغم الخوف الشديد الذي فرضه تنظيم داعش آنذاك.
تاريخياً، تتفاقم الصراعات عندما يُستبدل سؤال من ارتكب الجريمة جنائياً وسياسياً، بسؤال (إلى أي جماعة ننسب الجريمة؟) ذلك اننا من خلال هذا التفكير نعمل على نقل المسؤولية من الفاعلين الحقيقيين إلى أناس اغلبهم لا علاقة لهم بالأمر.
لهذا يجب أن نفهم الدرس جيداً، وأن نتوقف عن استخدام ذات اللغة التي غذت الانقسامات نتيجة تعميم الاتهامات. فهذه العقلية نفسها هي التي ساهمت في خلق بيئات التوتر والاحتقان التي استغلتها التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها داعش، لتجر البلاد إلى ما شهدته من مآسٍ وكوارث.
ان العدالة يا سادة؛ لا تتحقق بالتعميم، ولا تولد من الكراهية، ولا تُبنى على اتهام الجماعات، بل على محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا.

