عندما أتحدث مع بعض الأشخاص المثقفين، ويجرنا الحديث إلى الكتابة وصناعة المحتوى، أسألهم بتعجب:
لماذا لا تكتبون؟ لماذا لا تُخرجون ما في جُعبتكم من معارف وأفكار لتنفعوا بها الأمة، وتُسهموا ولو قليلاً في إخراجها من هذا العبث والتطرف والفساد؟
يرد عليّ بعضهم بأنهم يتمنون ذلك، يتمنون لو استطاعوا أن يكتبوا ويعبروا عما يجول في خواطرهم، وينشروا المعارف، ويسهلوا نقل الأفكار الكبيرة. إلا أن هذه الأمنيات تظل حبيسة خوف دفين يعاني منه أغلب المثقفين الحقيقيين، وهو الخوف من الجمهور.
فالمثقف الحقيقي هو أكثر الناس قلقاً من رد فعل الآخرين تجاه أفكاره ومعتقداته، وهو اقلهم ثقة بنفسه؛ ذلك لأنه جرب الإبحار في محيط المعرفة، واكتشف أن ما يملكه لا يكاد يتجاوز حبة رمل في صحراء المعارف.
ولهذا فهو قلق من السخرية والهجوم والسب والشتم، خصوصاً ونحن نعيش في عالم بدأت فيه القيم العظيمة تتهاوى، وانهارت فيه الأخلاق عند من يدعون امتلاكها.
إلا أن هذا هو قَدَر الكاتب: قدره أن يُسخَر من أفكاره، وأن يُسب ويُشتم ويُهاجَم ويهدد، وأن يُفعل به كل شيء. فالمثقفون شهداء الفكر، كانوا ولا يزالون، وهذه السمة شيء جوهري وأصيل في شخصية المثقف، اذ لا يكتمل بنيان العارف بدونها.
اما اعتزال الناس والعيش في برج عاجي تحاور فيه نفسك، ولا تسمع سوى صدى صوتك (كما يحدث في غرف الصدى الحديثة) فليس هذا سلوك المثقفين.
فبهذا تتحول إلى مفكرٍ خامل، يتساوى وجوده مع عدمه، ولا تعود لأي جهد بذلته أهمية، ولا لأي معرفة اكتسبتها قيمة.
فأساس المعرفة هو إطلاقها، وإذا خالفت هذا الأساس، فكأنك طفيلي يتكسب من معارف الآخرين الذين بذلوا الغالي والنفيس، دون أن تُضيف شيئاً.
ولهذا، فإنني من هذا المنبر أدعو المثقفين والعارفين والمفكرين، وأساتذة الجامعات وغيرهم، إلى الظهور للعلن وتقديم الفكر ومساعدة الناس على اكتساب المعرفة الحقة، والا يتركوا الساحة للمتطرفين والشعبويين وأشباه المثقفين الذين عاثوا في المجتمعات فساداً وانحطاطاً.
اقول باعلى صوتي :كفاكم سباتاً. فإن كنتم تطالبون بمجتمعٍ راقٍ، فانزلوا من صوامعكم، وتحدثوا بلسان الناس كي يفهمكم الجميع، ويعرفوا ماذا يجب أن يفعلوا في دينهم ودنياهم. أما إن بقيتم معتكفين، فلا تلوموا إلا أنفسكم، فما المجتمع متحرك إلا إلى الوراء.

