كما تعلمون، يحاول بعض من يدعون الوطنية الاحتفال غداً بيوم النصر العراقي على إيران، وتصدير السردية البعثية بوصفها حقيقة يستحق الاحتفال بها وتخليدها بل وتمجيدها.
غير أن محاولة إضفاء طابع وطني على الاحتفال بيوم 8/8 لا تعدو كونها ممارسة عبثية تؤكد استمرار الارتهان لإرث الماكينة البعثية وسردياتها الزائفة؛ فالحقيقة الجلية التي لا تقبل التجميل هي أن العراق لم يحقق انتصاراً على إيران، لا في الميدان العسكري ولا في الفضاء الاستراتيجي.
فالقراءة المنطقية لمسار التاريخ تكشف أن تلك الحرب السجال لم تكن سوى بؤرة النزيف الأولى؛ إذ أفضت استحقاقاتها الاقتصادية والسياسية المأزومة إلى مغامرة غزو الكويت الكارثية، وهي الخطيئة التي استجلبت الخِناق الشامل ومهدت لتقويض أركان الدولة وانهيار النظام برُمته.
وبالتالي، فإن إعادة إنتاج هذه المناسبات الجوفاء وتسويقها تحت لافتات الوطنية الزائفة فقط لمكايدة الطرف الآخر وافتعال الاستقطاب، هو سلوك اعتباطي يفضح مأزقاً مجتمعياً عميقاً؛ إذ إننا أمام مشهدٍ عراقي تتنازعه فئات متصارعة، تختلف في منطلقاتها ومشاربها، لكنها تتفق حتماً في النتيجة: إيذاء هذا الوطن واستنزاف مقوماته، كلٌ بطريقته الخاصة.
ومن سخرية القدر، وعمى البصيرة لدى مَن يتصدرون المشهد اليوم مدعين الوطنية، أنهم باحتفالهم بـ "8/8" يمارسون ذات العبثية والسلوك التبريري الذي طالما عابوه على أتباع إيران في العراق!
فحين يحتفي محبي ايران بنصر موهوم لإيران، مُهللين لمجرد أنها خرجت غير منهارة وبقي نظامها قائماً، يُسارع "الوطنجية" لإدانتهم والتأكيد على أن البقاء على قيد الحياة ليس نصراً !! لكنهم اليوم، وفي تناقض صارخ، يسقطون في ذات الفخ؛ إذ يروجون لانتصار ادعاه صدام زوراً، لمجرد أنه صمد ولم تستطع إيران إسقاط نظامه!
إنها ذات الرؤية القاصرة والتضليل المفاهيمي؛ حيث يُمحى المعيار الحقيقي للنصر، وتُختزل المأساة الوطنية في نرجسيات سياسية ومكايدات جوفاء لا تُسمن ولا تُغني من وطن.
والحقيقة، اذا كان لمُؤيدي النفوذ الإيراني، أو مَن يُصطلح عليهم بالولائيين، من حسنةٍ يُشار إليها، فهي صياغتهم للمصطلح التهكمي "الوطنجية". وبصراحة، فقد أخذ هذا المصطلح يكتسب مشروعيته التوصيفية لديّ؛ إذ إنه يختزل بدقة حالة أولئك الذين يتشدقون بحب الوطن، بينما هم في حقيقتهم إما أصحاب خطابات كاذبة ومخادعة، أو جهلة لا يدركون جوهر الانتماء الوطني ولا أبجديات صونه.
فتراهم، في تناقضٍ صارخ، يرفعون راية الوطنية زيفاً، ثم يهللون لقصف أرضهم ومؤسساتهم بذريعة خصومتهم السياسية مع الطرف المستهدف!
أو ينتشون بانتصارات صدام العُبثية ويصنعون منها أعياداً، غير مدركين أنهم يقدسون لحظات النزيف التي دمرت البلاد. إنهم بحق "الوطنجية"؛ الفئة التي تحول الوطنية من مبدأ أخلاقي وبنائي جامع، إلى مجرد أداة للمكايدة، والنكاية، والتدمير الذاتي.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تزوير التاريخ أو الانحياز لسرديات مشوهة، بل في تحويل العقل الجمعي العراقي إلى ساحة لتصفية الحسابات بين مشاريع متضادة لكنها متماثلة في أدواتها السطحية. وطالما بقيت الوطنية تُعرف بالنكاية في الخصوم، لا بالقدرة على بناء الدولة وحماية إنسانها، سنظل ندور في الحلقة المفرغة ذاتها؛ نتبادل الشتائم والاتهامات، ونصفق للخراب، بينما يظل الوطن هو الضحية الوحيدة المقيم في هذه الصراعات العابرة.


انا يا سيدي قد ارهقت داخل هكذا مجتمع لا يعرف معنى السياسة !
السياسة لا تعني الاحزاب والنواب والوزراء، السياسة فن لتدير حياتك بفطنة و حكمة ، متعبة انا من محيط لا يفكر
أنا بدأت أفهم سياسة العراق أكتر من مصر بسبب مقالاتك